سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الصفحة البيضاء تلوّنت بموازييك الفن والأدب

كروب روناهي ـ

بفنها وأدبها رسمت ملامح الإبداع على لوحات صنعت بيدها، فتقربت من الطبيعة لتكتب عنها وترسمها، وتحاكت مع الواقع لتسرده كقصة، وتعايشت مع الثورة لتنجب فنانات في مقتبل العمر، ورقصت على أنغام المقاومة لترفع راية النصر والحرية.
أحيت الفنانات والأديبات والمثقفات ميراث غيرهن، ممن سبقهن في هذا المجال، حتى بات مجال الفن والأدب فسحة تظهر من خلالها الخبايا والحقائق، ورسمت دروباً لأجيال أخرى تكمل رسالتهن.
نساء وفنيات وشابات، وطفلات من شمال وشرق سوريا، لهن بصمة في مجال الفن والأدب، فبات نتاجهن نجاحاً يضاف إلى سجلهن الحافل بالإنجازات.
قاصة وكاتبة تستنبط من الوقائع سرداً
تأثرت كثيراً بالعادة، التي كان يتخذها الجد، والجدة لدى صغرها، عندما كانت في الرابعة من عمرها، حيث كانوا يجتمعون كل ليلة لسرد حكاية أو الحديث، عما كانوا يعيشونه في زمنهم على شكل سرد قصصي، هذا الشيء بعث في نفس نرجس اسماعيل فضولاً لمعرفة كل ما يدور حولها، وفي مخيلتها تطبق تلك الصور والوقائع على شكل قصة، كما كان للوضع المعيشي، الذي كانوا يتعايشونه في ذاك الوقت دوراً في أن تصبح نرجس كاتبة وقاصة.
كانت عائلة نرجس تعيش في ظروف مادية سيئة فخلق هذا الشيء تناقضات كثيرة، بحثت في تفاصيلها على الأجوبة (لماذا ارتدي هذا اللباس المهترئ، وجارتي تلبس الجميل والجديد، لماذا لا آكل في المدرسة ما تأكله صديقاتي)، كل ذلك دفع نرجس إلى إخراج ما بداخلها على شكل كتابة، فحولت التناقضات والتساؤلات والمشاعر إلى كتابات.
البركان الذي تشكل بداخل نرجس ثار وانفجر عندما كانت في الصف الثاني الابتدائي لدى انضمامها إلى فرقة للثقافة والفن، فكانت في المرتبة الأولى في فرقة المسرح، وكذلك فرقة الدبكة، لتتبع هذا المستوى في إلقاء القصيدة.
 عندها أحست أن الغضب والبركان والنفور والاختلافات قد تلاشت من خلال إلقاء القصدية وكأنها تقول “لا للفقر…. لا للحرب… لا للظلم… لا للفراق واتبعتها العديد من لا ….”.
وضمن أجواء الكتابة أحست نرجس بأنها تتحرر فكرياً وروحياً، فكل جملة كانت بمثابة تحرر في مجال معين. “مسيرة كتابة القصيدة بدأت، وكأنني ببداية العشق” هكذا وصفت لنا الكاتبة والقاصة نرجس إسماعيل مشاعرها بعد الكتابة، وبعدما أبحرت في هذا المجال وجدت نفسها عطشى، فكل ارتواء من بحر الكتابة كانت تزيدها عطشاً للإبحار أكثر لتروي ظمأها كاملة، فمن كتابة إلقاء القصيدة اتجهت نحو كتابتها، ومن ثم كتابة خاطرة وتلاها القصة لتسير نحو كتابة رواية، ليس هذا فحسب بل تعدت حدود الكتابة بفنها وثقافتها لتتعلم الرسم والعزف أيضاً.
كان طبع أول كتابين لها وقع ودفع في حياتها؛ أول كتاب كان عام 2003 وباللغة الكردية، فأحبت أن تكون مخلصة للغتها الأم فاختارت هذه اللغة في كتابتها الأولى، فكشعب كردي عانوا كثيراً وحرموا من التكلم والتعلم والكتابة بلغة الأم؛ الكتاب كان باسم هدية حملي Xelata xewnamin
تقول نرجس “كل امرأة بإمكانها أن تحقق آلاف المستحيلات.. فساحة الأدب والفن والثقافة تمنحها كل الإمكانات”، في إشارة منها إلى قدرات المرأة في كسر نظرية المستحيل.
وتعبر عن أحاسيسها لدى الكتابة “أنا في مسيرة في ساحة الكتابة ودون توقف، حتى وإن تعبت سأستمر وأركض من جديد”.
شاركت نرجس بمهرجان فن وأدب المرأة السابع، الذي عرض فعالياته في الأول والثاني من شهر آذار الجاري بقصة “خاتم النافذة Gustîlika pencerê  فاستوحت قصتها من قصة واقعية، تضمنت قصة عشق اجتماعية تحولت إلى عشق الوطن، القيم، التراب والتضحية في ذلك لأن العاشق كان مقاتل في وحدات حماية الشعب، واستشهد في سبيل وطنه لتسير رفيقة دربه على نهجه وتكمل مسيرته.
وعن مشاركتها هذه لفتت نرجس إلى دور المرأة كقاصة، وكاتبة إلى سرد ما يحدث من وقائع في نتاجاتهم الفنية والأدبية، فالوقائع خاصة في زمن الثورة مليئة بقصص واقعية تستحق الكتابة عنها.
نرجس ليست الوحيدة فهناك العشرات بل المئات والألوف من الكاتبات والقاصات اللاتي يشغفن بفن وأدب الثورة، ويتخذن من الواقعية سرداً حقيقياً من كتاباتهن، فيستحقن التذكير والتقدير عبر كتاباتنا.
فنانة تشكيلية تضفي جمالاً على ألوان الطبيعة
المرأة العربية لم تكن بعيدة عن ساحة الإبداع في الفن، والأدب التي تناضل وتقاوم، ضمنها المرأة لتكون ريشتها وثيقة ترسم بها ما لوحات تكشف عن قضايا عدة فنياً.
سحر عبد الرحمن 35 عاماً رسامة من مدينة الطبقة، حققت مبتغاها منذ صغرها بإتقان الفن التشكيلي، ومهارات الرسم فكانت مثال للمرأة الناجحة في العمل الفني بمنطقتها، حيث قدمت العديد من الأعمال الفنية، والرسومات المتنوعة وشاركت ضمن المعارض الفنية بالطبقة، وقامشلو والعديد من المعارض الفنية على مستوى شمال وشرق سوريا.
تولد لديها حب الرسم والأعمال اليدوية منذ الصغر، فالمرحلة الابتدائية هي الفترة الزمنية، التي بدأت فيها مسيرتها الفنية لتتلقى رسوماتها إعجاب المعلمين، والمعلمات فمنحها دفعاً للاستمرار بموهبتها هذه، كما كان لتشجيع والدها وعملها أثراً في أن تمتلك الجرأة، وتشارك في المعارض الفنية على مستوى المدارس، فكانت مشاركتها ببطولة “الرواد” تاريخ كتب فيه أولى نجاحات الرسامة، سحر، فتنال الترتيب الأول في البطولة.
الفن فيما يتعلق بسحر هو سلاح لإيصال الرسالة السامية للشعوب كافة، فتنخرط في الطبيعة الصامتة كما تصفها وتتخذ من مناظر الأنهار، والجبال لوحات فنية، كما ويضفى على رسوماتها الطابع التراثي، لتضمن بذلك تراث الأجداد والمرأة، وكذلك التراث كمكان مثل الأزقة، والشوارع القديمة، والتي كانت تميز كل شعب وكل حقبة زمنية تاريخية، وأيضاً تتبع برسوماتها أسلوب تشخيص الوجوه الحقيقة، والتي تعتبر مرحلة متطورة لدى الرسام، حيث يبزر التعابير والملامح الحقيقية للإنسان، وأيضاً ترسم بنمط ثلاثي الأبعاد هذا النمط، الذي يعدّ من الأعمال الصعبة وتحتاج إلى تركيز كبير.
إلى جانب فن الرسم وكما ذكرنا آنفاً تبدع الفنانة سحر بفن الأعمال اليدوية بالاستفادة من الطبيعة الحرة.
تستخدم سحر قلم الرصاص، والفحم، وكذلك الألوان الزيتية والمائية، كما وتتعدد وتختلف الأدوات المستخدمة حسب الاحتراف الفني، وتطور فنها بإدخال مواد جديدة في الرسم الفني التشكيلي وكما تشرح لصحيفتنا القلم هو الخط الأول واللون هو الحقيقة المجسة للوحة والرق والقماش هما الشاهد التاريخي على حفظ الفن العريق.
تتخذ سحر ميراث الرسامة فيريدا كاهلوا، والرسامة جوديث ليستر، وكذلك إليزابيث فيجي، وغيرها الكثيرات من اللاتي أبدعن عبر التاريخ، نهجاً ودفعاً للتقدم بفنها، مشيدة بذلك نجاحات المرأة على الأصعدة كافة، وخاصة في الفن، ولتكون إحدى الفنانات المثمرات تشجع النساء على العمل الفني، وتسعى إلى تطوير المواهب في مركز الثقافة والفن بالطبقة عبر الدورات التعليمية الخاصة وتوفير الإمكانات اللازمة لبدء العمل الفني، وكذلك إعداد فئات مختلفة من الأطفال، وفق جلسات تعليمية أسبوعية يشرف عليها أعضاء مكتب الرسم بالمنطقة.
وتلخص الفنانة التشكيلية سحر عبد الرحمن تجربتها الفنية: أن الرسم إحدى الهوايات المميزة في وصف ما تعتريه الروح من مشاعر يمكن تفريغها بشكل سلوكي منضبط في العمل الفني.
خشبة المسرح ساحة لتجسيد قضايا المرأة
المسرح يترأس الفنون كما قيل عنه، وهو النافذة التي تتجسد الواقعية والمنطق، من هذا المنطلق تتخذ المرأة هذا النوع من الفن فسحة للكشف عن قضاياها وقضايا المجتمع.
فاطمة أحمد كاتبة ومخرجة مسرحية، حيث تعدّ فاطمة خشبة المسرح ساحة توعية ومن خلالها تسرد قصص توعوية لأهالي المنطقة سواء عن قضايا مجتمعية، أو قضايا خاصة بالمرأة، فمسرحية “لماذا” التي هي أحد نتاجات فاطمة لفرقة DARSI  التابعة لحركة الثقافة، والفن الخاصة بالمرأة “الهلال الذهبي” حيث كشفت المسرحية عن مساوئ زواج القاصرات، وكيف أن المجتمع بحاجة إلى التوعية في هذا المجال، لأنها ظاهرة لازالت منتشرة في جميع أنحاء العالم وضحيتها الأولى والأخيرة هي المرأة نفسها، والتي تشجع على ذلك أيضاً هي المرأة لذلك فهي بحاجة إلى توعية بهذا الخصوص، فكانت لخشبة المسرح ضمن مهرجان فن وأدب المرأة السابع حكاية بهذا الخصوص.
من رحم الثورة ولدت فنانات صغار
ربما يكون للثورة دور في دفع الشابات والأطفال من الإناث إلى الانخراط في مجال الثقافة، والفن، فالثورة التي يتعايشها أهالي شمال وشرق سوريا هي ثورة ثقافية، كما هي اجتماعية وفكرية، لتثمر اليوم بنجاحات أطفال وشابات في مقتبل العمر ضمن مجالات فنية عدة كالدبكة والمسرح والغناء.
الفرقة الغنائية ” Keçên gerstêrk” تابعة لحركة الهلال الذهبي في الحسكة، أُسست منذ سنتين تشارك فيها تسع شابات، بناء أحمد حمي، هي إحدى عضواتها كشفت لنا، بأن تدريبهم على إتقان الأغاني استمر لسنتين، وقبل ثلاثة أشهر فقط بدأت مسيرتهم الفنية الغنائية.
أما فرقة الدبكة Ronahî bawer من الدرباسية مؤلفة من ثمانية أطفال إناث، بدأن بالتدريب قبل عرضهن الأول منذ شهرين، وتدريبهن لا ينحصر على دبكة خاصة بشعب واحد، فأنهن يتعلمن جميع الدبكات الخاصة بشعوب شمال وشرق سوريا، وخارجها فالفن ليس له حدود كما وصفته إحدى العضوات، وهي نور محمود.
الفرقة الغنائية وفرقة الدبكة، التي قدمنا معلومات عنهما، آنفاً، قدمتا عرضهما الأول في مهرجان فن وأدب المرأة السابع، لتكون بذلك مساراً مهد لها الطريق لمشاركات أخرى.
نور محمود
بنار حمي