No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا_
ما من شك، أن حزب العمال الكردستاني، وقائده عبد الله أوجلان، قد أحدثا ثورة في تاريخ حركة التحرر الكردية المعاصرة؛ لا بل تجاوزاها فيما بعد، إلى الشرق الأوسط، وإلى العالم بأسره، هذه حقيقة واقعية موجودة بشكل يومي، نتلمّسها، ونتابع أخبارها ومجرياتها بشكل واضح، وصريح، وبدون أي غموض أو سرية.
تُرى، ما الذي يدفع بالإنسان إلى رفض الواقع، وتشكيل المقاومة، وخوض الكفاح والنضال، وتقديم التضحيات الجسام؟ ومن أجل ماذا يرفع السلاح، ويضحي؟ يا تُرى، لو كان الإنسان يعيش بسلام وأمن وأمان، ولديه حرية التعبير عن رأيه، ويتم احترامه، ولا يتعرض لأية ضغوط، أو ظلم، أو اضطهاد عرقي، أو مذهبي، أو اقتصادي… هل سيقاوم ويثور على واقعه الآمن؟ ومَن يكن عدوّه؟
الجواب على الأرجح يكون: لا، لأن الإنسان بطبيعته مسالم؛ ولا يريد سوى العيش بوئام وسلام مع أقرانه، ومع الطبيعة، لكن الذي جرى، وما زال يجري في الكون خلال الخمسمائة عام الأخيرة، دفعت الكثير من الشعوب، والأقوام والأمم؛ إلى تنظيم قواها، وتشكيل وحدات المقاومة والحماية، ومن لم يستطع ذلك، يتعرض إلى الإبادة والانصهار.
في أواخر ستينيات القرن المنصرم، اجتاحت العالم موجة احتجاجات على الليبرالية والرأسمالية، وكذلك على الاشتراكية المشيدة، وحدثت أيضاً مثل تلك الاحتجاجات في الشرق الأوسط، وفي تركيا، حيث ظهر اليسار الثوري، وظهر قادته الرموز، أمثال (ماهر تشايان، دنيز كزميش، ابراهيم قابياقكايا، حسين إينان، يوسف أصلان…) وغيرهم، الذين رفضوا الواقع المعاش، وانتفضوا في وجهه، لكن قواهم كانت ماتزال فتية، ولم تستطع مواجهة القوة، والبطش، والنفوذ الكبيرين، اللذين تمتلكهما قوى الهيمنة، والسلطة متمثلة بالدولة واجهزتها القمعية.
فتأثر المناضل عبد الله أوجلان ورفاقه الأوائل، والذين كانوا يدرسون في جامعة أنقرة بهذه الموجة الثورية، لكن أوجلان كان له رأي آخر، فهو كان يفكر في استراتيجيته البعيدة وليس تكتيكاً، ولم يكن هدفه الوصول الى السلطة؛ بقدر ما كان تحرير الشعب من السلطة همه، من هنا رفض تصورات الدولة التركية الكمالية، حول فناء الشعب الكردي ومحوه؛ وليس له حق الاستمرار في الوجود، وانطلق من فكرة وجود الكرد، وإن وطنهم كردستان مستعمرة دولية.
يقول القائد الأممي الشهيد كمال بير في ذلك: “إن تحرر الشعب التركي لن يتحقق ما دام الشعب الكردي ليس متحررا”، وانطلاقاً من ذلك بدأ أوجلان، ورفاقه بتأسيس حزب العمال الكردستاني في السابع والعشرين من تشرين الثاني 1978، لكن الدولة الفاشية التركية لم تسمح بذلك؛ وهي التي أُسست، وتكونت على أنقاض السلطنة العثمانية، واحتلالها لكردستان، حيث أنها كانت، ولا تزال ترى في وجود الكرد نهاية الدولة التركية.
فنحن الآن في القرن الواحد والعشرين، وقد شارفنا على الانتهاء من ربعه الأول، لكن سياسة الإنكار والرفض، والعمل من أجل إعادة إحياء العبودية، والاستعمار، والاحتلال والفاشية تسير بشكل ممنهج وقوي، خاصة في الشرق الأوسط، وهو ما يستدعي منا؛ إعادة تحليل البنى التحتية للأنظمة القمعية، وإن معظم القوى الثورية، أو التي كانت تقود ثورات تحرر وطني في فترة نهايات الألفية الثانية، إما استلمت السلطة، وتحولت الى أنظمة سلطوية، أو بقيت دوغمائية جامدة في مكانها، أو تأثرت بالليبرالية، واختفت في بوتقتها، لكن حركة التحرر الكردستانية، رفضت ذلك، وسارت بشكل مغاير، حيث طرحت على نفسها السؤال التالي: “كيف لنا أن نسير بطريق مختلف ومغاير”؟ وهو ما يعني أنهم رفضوا قبول العالم كما هو، بل استمروا في السعي؛ لتغيره من خلال السعي وراء حقيقة الصراع بين الشعوب والأنظمة.
والقائد أوجلان له الدور الأبرز في إدارة هذا البحث؛ من خلال مؤلفاته؛ والتي أغنى بها المكتبة الإنسانية، فهو شخصية ديالكتيكية حقيقية، يدرك تماماً أن سائر الأنظمة لها عمر، وبالتالي فهي مؤقتة، ويتم إنشاء، وتأسيس هذه الأنظمة، إذاً فهي ليست حالة طبيعية وضرورة اجتماعية محددة مسبقاً، وبالتالي فإنها في نهاية المطاف تصل إلى مرحلة من عدم التوزان، وتجتاحها الفوضى عندما تمر الرأسمالية بأزمة بنوبة حادة، وهو ما يحصل في زمننا الراهن.
لذا تم حبك مؤامرة كونية بحق أوجلان، وتم أسره، وتسليمه للفاشية التركية لتكون حارساً عليه، حيث وضعته في معتقل جزيرة إمرالي وسط بحر مرمرة منذ أربعة وعشرين عاماً، لكن أوجلان لم يستسلم، ولم يهدأ على العكس من ذلك؛ فقد حوّل معتقل إمرالي الى مكان للتفكير، وللتأمل، وطرح مجموعة من المؤلفات التاريخية، والفلسفية، وطريق الحل للقضايا العالقة في المنطقة، والعالم من خلال مانيفستو الحضارة الديمقراطية بأجزائه الخمسة، حيث أدرج ضمن المجلد الخامس حل الأمة الديمقراطية، والتي هي ضمانة لجميع الشعوب المقهورة والمضطهدة، ومن ضمنهم الكرد، لكي تكون قادرة على تطبيق هذا النموذج من النظام السياسي، والمتمثل بالإدارة الذاتية، ويكون بديلاً عن السلطة وتحكمها بخيرات ومقدرات الشعوب، كما يجنبها حمام الدماء، الذي أعدته الأنظمة الدكتاتورية لها وبدعم مباشر من جانب قوى الهيمنة العالمية.
وهكذا، يمكننا أن نرى الأثر المباشر لهذه الرؤية الاستراتيجية للمفكر، وللفيلسوف أوجلان في روج آفا مناطق شمال وشرق سوريا، حيث انتهج الكرد، ومعهم شعوب المنطقة الخط الثالث المستند إلى فلسفة الأمة الديمقراطية، وبالتالي جنّبوا مناطقهم الخراب والدمار، وقصف الطائرات والبراميل المتفجرة، حيث بنوا نظاماً إدارياً شبه متكامل يستند إلى مجالس محلية منطلقة من الكومين اللبنة الأولى في هذا النظام وصولاً إلى المجلس العام، والمجلس التنفيذي لشمال وشرق سوريا.
لكن هذا الأمر لم يرق للأنظمة المحتلة، والحاكمة، وكذلك لقوى الهيمنة الامبريالية العالمية، كون هذه المناطق بدأت بالسير في بناء مجتمع ديمقراطي تعددي متكاتف ومتعاضد، ويحترم حرية المرأة، ويعتمد على الاقتصاد الكومينالي، ويحافظ على العلاقة الجيدة مع البيئة، لذا تم استبعاد ممثلي هذه المناطق من أي نقاش بخصوص حل الأزمة في سوريا، حتى لم يتم تمثيلهم فيما يُسمى “اللجنة الدستورية” التي تشكلت لصياغة دستور جديد للبلاد، وكأنهم ليسوا من سوريا، لكن بإصرار وعزيمة لا تلين، وبتضحيات جسيمة وأليمة، استطاعت شعوب المنطقة، وفي طليعتها الشعب الكردي أن تحافظ على هويتها الثقافية، وتبني نفسها ومؤسساتها الادارية والثقافية، والخدمية والأمنية، والعسكرية، الأمر الذي دفع بقوى الهيمنة العالمية إلى توجيه المنظمة الأكثر تطرفاً وإرهاباً في العالم “داعش” لتدمير هذا المناخ الديمقراطي في هذه البقعة من العالم، ولم تكتفِ بذلك؛ بل أن الفاشية التركية حصلت على الضوء الأخضر من جانب أمريكا وروسيا؛ للتوغل في مناطق شمال وشرق سوريا واحتلالها، فكان احتلال جرابلس، وإعزاز ومن ثم عفرين، وفيما بعد كري سبي (تل أبيض) وسري كانيه، لكنها اصطدمت بإرادة فولاذية من فتيات وفتيان شعوب المنطقة، وبدعم ومساندة من قوات الدفاع الشعبي في جبال كردستان، التي لم تبخل بتقديم المئات والآلاف من خيرة كوادرها، ومقاتلي الحرية لثورة روج آفا خاضوا معارك بطولية وبمقاومة أسطورية، عندما انتصرت إرادة الشعوب، أثبتت بأن نموذج القائد أوجلان للحرية (الأمة الديمقراطية) هو الترياق الذي يحتاجه العالم لمواجهة نموذج “داعش وأخواتها” من الحركات الإرهابية والتي تمثل “النظام الذكوري المهيمن” المستند إلى اللون الواحد، واللغة الواحدة، والعلم الواحد، والفكر الواحد.
لذلك، نرى استمرارية المؤامرة الكونية بحق المناضل، والمفكر الكبير عبد الله أوجلان، وذلك من خلال سياسة العزلة المشدّدة، والتجريد من حقوقه المشروعة من جانب الفاشية التركية، وبتواطئ من النظام العالمي المهيمن، وصمت مريب من جانب منظمات تنادي بحماية حقوق الإنسان، والديمقراطية وفي مقدمتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ومنظمة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش) ومنظمة العفو الدولية (امنستي انترناشيونال) ولجنة مناهضة التعذيب الأوروبية CPT وغيرها من المؤسسات الأممية التي حان الوقت لأن تقول للفاشية التركية ولقوى الهيمنة العالمية “كفى”، لقد حان وقت حرية القائد أوجلان.

No Result
View All Result