سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ذاكرة الطفولة والأحلام الموْؤُودة

بوزان كرعو/ كوباني_

الموضوع: ما حلمك في المستقبل؟
المكان: مناطق شمال وشرق سوريا (روج آفا).
البقعة: مقاطعة كوباني، التي نفضت عن نفسها دمار المحاصرة من خمس جهات.
جنوباً، النظام السوري، غرباً وشرقاً، الفصائل المرتزقة الموالية لتركيا، شمالاً، النظام التركي الفاشي المجرم، أما الجهة الخامسة، والتي أقصدها السماء، فهي محاصرة من قبل الطيران التركي المسير، التي تزرع القتل، والخراب، والرعب في كوباني المدينة، وريفها.
الحدث: معلمة مدرسة في إحدى مدارس الإدارة الذاتية، ريف مقاطعة كوباني، مثلها مثل المعلمين كلهم، والمعلمات الحريصين على التلاميذ، والذي يرون في عيون تلاميذهم؛ مستقبل وطنهم، الذي انتحر في عيون “أبنائه المرتزقة”.
– ما حلمك في المستقبل؟؟
– بائع متجول، بائع حلويات، بقال، راعي أغنام، ماموستا (استاذ مدرسة)، تاجر غنم، سائق حفارة، لا شيء… الخ.
أحلام بريئة مثل براءة الأطفال على مقاعد الدراسة! صغيرة مثل صغر عقول بعض القادة السياسيين، والمثقفين، الذين لا يجيدون من الثقافة إلا الاستهزاء، والسخرية من كل شاردة، وواردة تحدث في مناطق الإدارة الذاتية!
لقد تحول هذا الحدث على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي من جانب الفئات المذكورة، إلى مادة للسخرية من المعلمة، وهيئة التربية، والإدارة الذاتية، هذه السخرية التي لا تختلف في بشاعتها عن عقولهم المريضة، لأن هذه الفئات، تدرك وتعلم جيداً، أن الإنسان ابن بيئته، كما يقول رائد علم الاجتماع “ابن خلدون”، فسلوك الإنسان وطباعه، وثقافته، ما هي إلا امتداد لعناصر بيئته وطريقته في التواصل، والتعاطي معها، فهي من تصقله، وتلونه حسب جغرافيتها ومناخها.
فما بالكم بتلاميذ يعيشون في ريف ناءٍ، يحيط بهم راعي الغنم، الذي يزرع الفرح، والسرور في قلوب أهل القرية من خلال العزف على الناي الجميل، والبقّال، الذي يزرع الابتسامة في عيون أطفال القرية، من خلال قطعة حلوى، يقدمها لهم مقابل مبلغ بسيط من المال، والماموستا (معلم المدرسة)، الذي يعلمهم حبّ الأرض، والحياة، ومواجهة البغض، والكراهية بالحب، والرصاص بالقلم، والدعوات التي تُحرّض على القتل بقصائد الغزل.
هذه الحادثة ذكرتني بطفولتي حينما كنت تلميذاً في الصف الثالث الابتدائي عام ١٩٨٣ في مدرسة القرية مع أكثر من أربعين تلميذاً آخر، من الصف الأول إلى الرابع، في شعبة واحدة مختلطة من أربع قرى، في تلك الفترة كانت سوريا كدولة في عّز قوتها العلمية، والاقتصادية، والسياسية، وتعتبر من الدول الرائدة في الوطن العربي في مجال التعليم، لقد كانت تنتدب المعلمين الى اليمن، والخليج العربي، والمغرب العربي.
سألنا معلمُ الصف السؤال نفسه:
-ما حلمك في المستقبل؟؟
-الأجوبة نفسها كانت.
(راعي غنم، بائع متجول، بقال، مزارع، مغنٍ، فلاح… الخ)، غير أنا وشخص آخر، وذلك لأن أشقائي، وأشقاءه كانوا طلاباً في المدارس الثانوية، جاوبنا كالتالي: (طبيب، مهندس)، أنا الذي جاوبت، أنني سأكون مهندساً في المستقبل.
رَبَتَ المعلم يده على كتفي، قائلاً: برافو، لديك إمكانات علمية، بإذن الله سوف يتحقق حلمك.
مضت السننين وأصدقائي تحققت أحلامهم ما بين الرعي، والفلاحة، والبقالة، والتجارة، حتى تحقق حلم، الذي كان يرغب أن يصبح مغنياً، غير أنني ورفيقي الطبيب، فقد وُئدت أحلامنا، نتيجة الظروف الصعبة، وعدم امتلاكنا القدرة العقلية، والمادية للصمود في وجه الحياة، وفي وجه مصاعبها، صديقي ترك المدرسة بعد انتهاء المرحلة الابتدائية، ولحق بأقرانه الرعيان والتجار…. الخ.
أما أنا فلم يتحقق حلمي في دراسة الهندسة، وذلك لأننا من الطبيعي أن نتأثر بالبيئة المحيطة بنا ونكون جزءاً منها.
نترك لكم التعليق.