No Result
View All Result
حسين دلف_
الدول النامية، مفهوم يُطلق على مجموعة الدول، التي بقيت تحت الاستعمار حتى وقت متأخر، والمقصود بها بشكل أدق، هي الدول التي كانت بعيدة، ولم تستفد من الثورة الصناعية، وتندرج هذه الدول تحت مسمىً آخر، هو بلدان العالم الثالث، التي تشمل معظم دول أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، أما العالم الأول، فالمقصود به دول أوروبا الغربية، وأمريكا، وكندا، واليابان، والعالم الثاني، فهو دول الاتحاد السوفيتي، والصين، وأوروبا الشرقية، بشكلٍ عام، تتصف بلدان العالم الثالث بانخفاض مستوى المعيشة، وبتعليم متدنٍّ، ودخل الفرد فيها ضعيف، والحكومات تكون في معظمها ديكتاتورية فاسدة، وتابعة للدول المستعمرة.
وإن ما يميز المجتمعات النامية، والتي جعلها تستحق هذه التسمية، هو الثقافة والأعراف الاجتماعية السائدة فيها، والتي لا يكون للشك، أو للنقاش في وجودها، وفيما ترتئي إليه مكان، أو مجال لتغيير سياستها حيال مواضيع وجودية، خاصة الشرائع الدينية، والعادات القبلية، وهالة التقديس المرسومة حول الشخصيات الدينية، والسياسية ضمن هذه المجتمعات، فنقد الشخصية الدينية، قد يؤدي بالفرد إلى الجحيم، وابتعاده كليا عن الجنة، التي يقضي حياته كلها في سبيل الوصول اليها، أما نقد الشخصية السياسية، ذات السلطة الديكتاتورية، فقد تؤدي إلى ما هو أسوء من الجحيم بألف مرة.
على الرغم من المشاكل الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية، التي تتواجد في هذه المجتمعات، نرى ادّعاء السلطات الحاكمة السياسية منها، والدينية أمورا وصفات، وألقاباً، ليس في شخوصها، ولا في دواخل نفسها، وتكرر هذه الادعاءات بشكل مستمر، حتى يتم زرعها في الأجيال الجديدة، وتصبح حقائق لا يتم المساس بها، ومن هذه الادعاءات نرى مثلا: أنها تدّعي الديمقراطية، وهي خالية من الديمقراطية، لا بل وحتى لفظة الديمقراطية، يتم تحريفها من مجتمع إلى آخر، كما أنها تدّعي المعرفة، بينما الجهل يتغلغل في كل مفصل من مفاصل حياتها، ويقضي على كل فكر علمي رشيد متجدد، وما أسهل القضاء على العلم في مجتمع الجهالة.
بدون شك، نحن أيضا جزء من هذا العالم النامي الكبير، وكل دولة، ومجتمع من دول، وشعوب هذا العالم، تختلف عن غيرها بدرجات متفاوتة من الجهل والعبودية، نحن أيضا نملك الكثير من الادعاءات، وإن كانت بوتيرة أقل، لكننا نسير نحو العالم المعرفي، ربما ببطء، وتأنٍّ، والكثير من الخوف من ردود الأفعال الاجتماعية، لكن المتعارف عليه أن أفضل طريقة للوصول السريع، هي السير ببطء.
ففي واقعنا الراهن نحن بحاجة إلى الكثير من الفكر التنويري، بحاجة إلى الكثير من أصحاب العلم، والمعرفة، بحاجة إلى النقاد الحقيقين، أصحاب العلم الصرف، والنظرة الثاقبة في التحليل، وإظهار السلبيات، وإيجاد الحلول الكفيلة بالتخلص من الأفكار، والأعمال السلبية، التي تعيق تطور، ونمو المجتمع، نحن بحاجة لمن يستطيع أن يجمع أفراد المجتمع كافة، حول الإيجابيات الموجودة فيه، وتطوير هذه الإيجابيات للوصول لمرحلة الإبهار، نحن بحاجة لمن يقضي على بذور التخلف، والعبودية المزروعة فينا، بحاجة لمن يقتلع جذور ثقافة الادعاء، والتفاخر المتجذرة بنا.
حتى وإن كانت تسمية العالم الأول، والثاني، والثالث، عبارة عن تسميات شكلية لإظهار الفوارق الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية بين الدول، إلا إن هذه التسمية بالأساس تم وضعها من جانب الدول الاستعمارية، لتبرير، وجودها المستمر في هذه الدول، لكنها اليوم في واقع حال لا مفرّ منه، فإما أن تبقى بنظر العالم مجتمعات متخلفة، وجاهلة، وتابعة لدول أخرى أكثر تطوراً، ورقيّاً، وإما أن تنهض، وتتقدم، وتتطور، وهذا هو التحدي الأكبر لنا، لدينا كل مقومات النهوض كلها، من الأرض، والشعب، والحضارة.
فالأرض التي نحيا عليها هي أرض خيّرة، وقوة اقتصادية، لا مثيل لها، وغنية بالثروات الطبيعية، والشعب فيها تواق للحرية، ويعمل جاهدا في سبيل الوصول إليها، كما أن التنوع القومي، والديني منذ الأزل، عامل مساعد في القضاء على العنصرية، والتعصب بشرط صناعة الإنسان السوي، وذلك يبدأ من المنظومة التعليمية، حيث الاهتمام بالمدارس والجامعات، فكلما ارتفع مستوى الوعي والمعرفة لدى الأفراد، ظهر التقدم في مفاصل المجتمع كلها، لذا كانت صناعة الإنسان هي أحد أهم أولويات الدول المتقدمة، والدول الباحثة عن التطور التكنولوجي، كما يتم بالإضافة إلى ذلك، الاهتمام بالصحة، والتنشئة الاجتماعية وتطوير منظومة التعليم، ومواكبة التطور التقني، وصقل المواهب، وتكثيف دورات التكوين والتدريب، والتشجيع على القراءة، والاهتمام بالبعد النفسي والاجتماعي للأفراد.
كذلك لا بدّ من الاهتمام بالمساواة بين الجنسين، وأن تقوم المرأة بواجباتها كافة، وتتمكن من الحصول على كامل حقوقها في المجتمع، فهدم ثقافة المجتمع، وجرّه إلى مستنقع الجهل، والأمية، يبدأ بهدم منظومة التعليم، وتجريد المرأة من حقوقها كافة.
الحضارة، والتراث الحضاري نقطة مهمة، وتمثل سلاحاً ذا حدّين، فأما أن نستغلها في تطوير الواقع، الذي نحن فيه من خلال الاستفادة من الصفحات الناصعة في تاريخنا، والاستفادة منها في تقويم مفاصل المجتمع، والجانب السلبي منها، أن نقف فقط متفاخرين بتاريخنا، وبحضارتنا دون العمل على إنشاء مجتمع حضاري، يكون الرابط بين الماضي، والمستقبل.
تجربة روج آفا ما زالت فتية، وتحتاج إلى الكثير من العمل والإيمان، والوحدة بين أبناء المنطقة كلها، فهذا ما نسير عليه بوتيرة جيدة، على الرغم من الصعوبات، التي نواجهها في تطبيق ذلك، فمن الحرب والأعمال الإرهابية، التي تتعرض لها مناطقنا، ومن وباء كورونا، الذي كان له تأثير مضاعف، وكبير على الوضع المعيشي، والتعليمي، والخدمي بشكل كبير.
اما دور المرأة في مجتمع روج آفا، فهو دور رائد، والمرأة في روج آفا، أجبرت العالم كله على الانحناء لها؛ لما قدمته في ميادين الحرب، والتعليم، والأسرة، والإدارة، فكانت القائدة، والمحاربة، والأم، فلم تتخلَّ عن حقوقها يوماً، ولم تنزوِ عن القيام بواجباتها الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، والمشاركة الفعالة في جميع مؤسسات الإدارة الذاتية، الخطوة الأهم حاليا، هي استمرار العمل، وعدم التهاون والوقوع في مطب الرفاهية، والاكتفاء بالإنجازات الحاصلة، فنحن جزء من مجتمع شرقي متزمت ومتعصب، وتأثير الوسط المحيط بنا كبير، سواء من خلال قنوات الحرب الخاصة، التي تستهدف الفكر والثقافة، أو من خلال الحرب المباشرة، بالسلاح، وبمحاولة الإبادة، والنفي، ونشر الخوف.

No Result
View All Result