سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

تصاميمُ ناعمةٌ… بأيدٍ خشنةٍ

قامشلو/ رشا علي –

على مدى ثلاثة عقود من الزمن يعمل محمد يوسف بمهنة الخياطة في مدينة قامشلو، رافضاَ المغريات التي قدمت له للعمل خارج وطنه “وطننا بحاجة لنا”. 
في أحد أحياء قامشلو وفي الحي الغربي بالضبط هناك محل صغير لرجل خمسيني جالس على كرسيه وأمامه أدوات الخياطة، يتلاعب بالأقمشة ويتفنن بها لتزيدها جمالاً ورنقاً تجذب الزبائن.
محمد يوسف أحد الممتهنين بخياطة الألبسة النسائية يبلغ من العمر 57 عاماً من سكان مدينة قامشلو، يمارس هذه المهنة منذ ثلاثين عاماً.
فضل خياطة الألبسة النسائية على الألبسة الرجالية كونها مهنة متجددة، وتلقى إقبالاً من مختلف الأعمار تضاف إليها بعض المتطلبات حسب الذوق والرؤية الفنية وطبيعة الموسم الذي يلفت انتباه المرأة.

بداية مشواره المهني…
انقطع يوسف عن الدراسة في المرحلة الإعدادية من أجل تعلم مهنة الخياطة، فقد وجد نفسه الشخص المناسب لامتهان هذه المهنة “كنت أجد مهنة الخياطة قريبة من روحي وكانت الكثير من أفكارها محفورة في مخيلتي، في بداية مشواري لتعلم مهنة الخياطة عملت عند أحد الخياطين ويعرف محله باسم أزياء مالك، وبعد التحاقي بالخدمة العسكرية عملت خياطًاً هناك، وكنت أخيط الألبسة العسكرية، ولكن الفضل الأول لتعلمي مهنة الخياطة يعود إلى أزياء سندس، فقد تعلمت منه الكثير من خطوات الخياطة وطرق التفصيل، وفي عام 1992 أتيحت لي الفرصة لفتح محل خاص بي للخياطة النسائية في الحي الغربي بمدينة قامشلو، وقمت بتسميتها على اسم ابنتي نوبهار، وما زلت أعمل به إلى هذا اليوم”.
عندما كان يوسف صغيراً شجعه والده على تعلم مهنة الخياطة والعمل بها، واليوم يبلغ من العمر أكثر من خمسة عقود من الزمن وما زال يعمل بها، ويتحدث قائلاً: “عندما كنت صغيراً شجعني والدي على تعلم مهنة الخياطة، وكان ذلك التشجيع بمثابة الدعم المعنوي، وكان ذلك ضرورياً من أجل النجاح في مهنتي، عندما يكون لدى المرء رغبة ودافعاً من أجل تعلم أي مهنة سيتعلمها ويتقنها بسرعة كبيرة ويحقق نجاحاً في مدة زمنية قصيرة”.
ورّث مهنتَه لغيره
قام يوسف بإعطاء دورات تعلم الخياطة للكثير من الشباب والشابات، وتخرج على يده الكثير من الخياطين، كما عمل على إعطاء الدروس عن مهنة الخياطة في المركز الثقافي بمدينة قامشلو من عام 1997 إلى عام 2009، وفي عام 1997 قام بتعليم عدد من شباب وشابات بلدة تربه سبيه لمهنة الخياطة وبهذا الخصوص أوضح يوسف: “لم أدرس في مجال الخياطة ولكن لدي خبرة كبيرة فيها، لأنني عملت بها لفترة طويلة واهتمامي الكبير بها وبحثي المستمر في مجال الخياطة من أصغر خطوة إلى أكبرها، مهنة الخياطة ليست منفصلة عن العلم ولكن التطبيق خطوة مهمة وطريق أساسي لتعليم المهنة”.
معروف بخفة يديه في العمل
وعن الزبائن الذين يقصدونه وطريقة التعامل معهم أشار يوسف: “لدي زبائن وهم راضون عن عملي وعن معاملتي لهم، أن تحديد وقت إنهاء الفساتين تكون دقيقة والأسعار التي أحددها غير ثابتة، لأنها تختلف حسب نوعية القماش، يختلف سعر خياطة القماش الخفيف عن سعر خياطة القماش الثقيل، لأن الثقيل يحوي الخرز وخياطته صعبة، بالإضافة إلى الموديل الذي يريدونه، وأحياناً يطلبون مني المساعدة في اختيار الموديل المناسب لهم”.
وبخصوص الألبسة التي يقوم بخياطتها والمدة الزمنية التي يستغرقها نوه لنا يوسف: “أقوم بخياطة الألبسة النسائية والرجالية، ولكنني أخيط الألبسة النسائية كثيراً، مثل الفساتين العادية وفساتين السهرات والزي الكردي وزي الكريلا والألبسة التراثية الذي كان يلبسها أجدادنا، وقل الطلب عليه في الوقت الحاضر، إن المدة التي أخيط بها فستان عادي لا تتجاوز العشرين دقيقة، أما الزي الكردي انتهي من خياطتها في مدة زمنية لا تتجاوز الساعتين، أنني أعرف بخفة يدي بين الخياطين في قامشلو”.

المحافظة على التراث الكردي الأصيل
يسعى الخياط محمد يوسف إلى الحفاظ على الزي الكردي والفلكلور خاصة في المناسبات وعيد النوروز حيث يزداد الطلب عليه لدرجة تصبح عنده أزمة عمل فيضطر للعمل في المنزل أيضاً في أغلب الأحيان لتجاوز المحنة.
وعن أهمية الزي الكردي في المنطقة أردف يوسف: “الزي الكردي هو تراث أجدادنا، ومن الواجب الاهتمام به والمحافظة عليه، فقديماً كان يرغب معظم الناس في خياطة الألبسة، كانت النساء والشابات يلبسن الفساتين والزي الكردي في جميع المناسبات والأعياد، أما في وقتنا الحالي اختفت الكثير من الموديلات واختلفت الأذواق”.
وفي متابعة حديثه أكد يوسف بأن الهدف من خياطة الزي الكردي هو المحافظة على التراث الكردي الأصيل والاعتناء به وحمايته من الاندثار، وإظهاره كلوحة تتألق به الشابات والنساء، مضيفاً: “الزي الكردي بموديلاته المختلفة تشبه لوحات فنية في ألوانها الجميلة واللافتة للنظر، حيث تشبه ألوان الربيع، وأنا أيضاً أعمل بجهد عليه، وأضع بصمة وطابعاً خاصاً يعجب بها الزبائن”.
الصعوبات… والمعاناة
أما بخصوص الصعوبات التي تواجه يوسف ومعاناته في العمل بمهنة الخياطة يبين لنا بأنه اضطر إلى وضع النظارات لمدة 26 سنة، وبأنه يعاني من آلام الظهر عند العمل لساعات طويلة، بالإضافة إلى زيادة أسعار جميع مستلزمات الخياطة من الإبر والخيوط والأزرار وغيرها بالنسبة إلى السنوات الفائتة.
مهنة الخياطة لا يتقنها الكثيرون، فمن يتقنها يكون قد أحبها ولديه شغف بالعمل فيها، وهناك الكثير من الخياطين يأتيهم فرص العمل خارج الوطن من أجل تطوير عملهم ولكنهم يرفضون، ويوسف هو أحد هؤلاء الذين رفضوا العمل خارج الوطن وظل متشبثاً به لم يغريه ما قدموه له فيشدد يوسف: “إذا ذهبنا وتخلينا عن الوطن فمن سيبقى يعمل فيه، وطننا بحاجة لنا ويجب علينا إظهار المواهب للشعب من أجل أن يستفيد منها”.
أما عن المشاريع المستقبلية فتحدث يوسف “كنت أرغب في افتتاح مشغل خياطة خاصة بي، ولكن ضعف قدرتي المادية حال دون ذلك، وأيضاً ليس هناك طلبية زائدة على البضاعة المنتوجة داخل منطقتنا حيث يعتمد التجار على البضاعة المستوردة من المناطق الأخرى”.
واختتم الخياط محمد يوسف حديثه متمنياً: “أتمنى توفير جميع المواد اللازمة للخياطة وألا نواجه صعوبة في طريقنا وأن نعمل بضمير لأننا نعلم ظروف التي يمر بها شعبنا في هذا الوقت بسبب الغلاء والارتفاع في الأسعار”.