سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

وشمُ المرأةِ الفراتيّةِ…. أشكالٌ رائعةٌ ودلالاتٌ مذهلةٌ

إعداد/ حسام إسماعيل_

كانت المرأة في مدينة الرقة، وإلى زمن مضى غير بعيد، تعتز كثيراً بالوشم وتتباهى به، وكان من الصعب أن تجد امرأة واحدة في الرقة غير موشومة، ولعلَّ وشم الوجه هو من أكثر أنواع الوشم تداولاً عند النساء في مدينة الرقة، ولا يُذكر تاريخ معين للوشم، فهو معروف منذ آلاف السنين، وله دلالات خاصة، قد تدل على المكانة الاجتماعية، أو الوضع الاجتماعي الحالي للأنثى إلى جانب كونه صفة من صفات الجمال.
غالباً ما يكون الوشم عند أهل “الرقة” في سن الطفولة أو بداية مرحلة الشباب المبكر، كما لو كان واجباً اجتماعياً مقدساً يقدمه الأهل لأبنائهم، لذلك فإنك قلما تجد فتاة “رقاوية” فيما مضى، دون أن تكون موشومة، وكم كان الشباب يتغنون بجمال الحبيبة، والتي يميزها وشمها عن باقي البنات.
وعادة الوشم كان للرجال نصيب منها، حيث يضعون وشم “البكار” وهو نقطة على رأس الأنف، ونُظم لهذا الوشم الأشعار، التي كانت تثير في نفوس الكثيرين ممن يضعونه مشاعر الزهو والرجولة، فتقول أبيات القصيدة المنظومة: (عالداك وشم البكار…… يازين نوم حضينو).
أشكال الوشم ودلالاته
والوشم عند المرأة في الرقة له أشكال كثيرة ودلالات عديدة، فأشكال الوشم عند أهل “الرقة” تبلغ اثنين وثلاثين شكلاً فقط، منها الوشم الخاص بأجزاء الوجه، فهناك وشم الجبين ويسمونه “هلالي” وهو يأتي على شكل هلال أو نجمة، ووجوده على جبين المرأة كناية عن ارتفاع جبينها، وعلو شأنها وطهارتها، أما وشم الخدين، ويسمى “الردعات” وهي أشكال للورد، في كل خد وردة صغيرة ترسم بالوشم، وهي ترمز إلى الخدود الجميلة كالورود، حيث يقول الشاعر الشعبي:
“ذيب خمش ظامري ومخالف النابات ……. دواي ما هو بكتب، عندك يبو ردعات”.
أما وشم الفم ويسمونه “اللجم” وهي جمع مفرده لجام، يرسم على طرفي الفم، وهذه دلالة على أن المرأة ساكتة مؤدبة لا تقول إلا الحكمة، فهي ملجومة عن الأخطاء.
 وهناك وشم الحنك ويسمونه “الرواك” وهو رسم يأخذ بأطراف الذقن بشكل سلسلة، وهو يدل على أن هذه المرأة لها “مربط” أصيل كمرابط الخيول الأصيلة، ومفردة “المربط” تعني النسب والأصل الطيب.
أما وشم “الرثامية” فهو رسم يوضع على منتصف الشفة السفلى، بشكل خط عمودي ينتهي لفرعين صغيرين، وهذه الدلالة تشبيهية تأخذ صفة للغزال، بمعنى أن مبسم هذه المرأة كالغزال، والرسم نفسه يوجد بشكل طبيعي على بعض أنواع الغزلان، والوشم على الذقن وتحت الشفة السفلى يسمى “دواوير” وهو رسم يمثل ثلاث دوائر متقاربة بشكل واحد، وبحجم واحد، ومهمتها التصدي لعين الحسود.
 وإذا وشمت المرأة طرف العين، فيطلق على الوشم اسم “غمازية “وهو خط من الوشم، يبدأ من طرف العين ناحية الصدغ كامتداد لالتقاء هدب الجفنين، ودلالته جمالية، تنم عن اتساع العين، وكثافة الأهداب، وهي تساعد على دفع الأمراض عن الجفون، وكذلك فإنها تقي من الحسد، ووشم الصدغين يطلق عليه تسمية “مضافة”، وهو رسم بشكل رؤوس مثلث، ودلالته أن هذا الوشم يطرد مرض “الشقيقة”.
أما وشم “غزالة” فهو رسم مشترك يأتي على الذراع، والخدود وظهر الكتفين، وهذا الوشم لم يكن له محل ثابت من الجسم، بل يرسم في عدة مواضع، وهو يرمز لنشاط المرأة، كما الغزالة التي تتحرك من مكان إلى آخر.
البكار المبارك أشهر الوشوم
 ومن أشهر أنواع الوشم في “الرقة ” وشم يرسم على رأس الأنف، ويدعى “وشم البكار” وهو رسم نقطة على رأس الأنف، وهو كناية عن التبرك بالأولياء أو بوليٍ اسمه “بكار” كان يضع وشماً على رأس أنفه.
 وقد وشمت نساء الرقة كامل الشفة السفلى والعليا أيضاً، وأطلقن عليه اسم “وشام” حيث يصبح لون الشفتين أزرق بشكل كامل، دلالة على السمرة، وهو يرمز للجمال، لأن العرب يفضلون الشفاه السمراء الداكنة.
وشم أسفل الفك، والذي يسمونه “شارب الحسن” ويرسم على شكل شارب مرتب تحت الحنك، ويرمز إلى محبة الناس للإمام “الحسن” بن علي” رضي الله عنهما، وتعلقهم بآل البيت، والوشم يستخدم بأنحاء متفرقة من الجسم لكن أشهرها:
الوشم على الوجه، وهو غالبا للنساء ويستخدم للزينة، والوشم الطبي كالوشم ضد وجع الرأس، وأيضاً ما يعرف بوشم الحلاَّبات الذي يدق حول المعصم ضد مشاكل وجع اليد جراء عملية حلب الماشية.
كذلك هنالك وشم مرتبط بالطب والسحر، يدق عادة في أسفل القدم ضد العقارب والأفاعي، وكما نعرف فللوشم أشكال كثيرة لها معانٍ، فمثلاً وشم الغزال مرتبط بحياة البدو، الذين اعتادوا صيد الغزلان، وأيضا هناك وشم مخدة بنت الملك، أو مخدة ابن العم الذي عادة ما يدق على باطن الساعد، ووشم الكف الذي يُدق على الكف.
مختصات الوشوم …”النوريّات”
ومن يقوم بالوشم هن نساء من خارج البدو، واسمهن بالعامية (النَّوَر)، حيث تقوم نساء نوريّات في فصل الربيع بزيارة البدو قبل موسم الزواج، الذي يكون عادة في الصيف، ويقمن بوشم العروس حسب ما هو مطلوب ومرغوب مقابل ماشية أو جلود إلخ..
 ويقمن بعملية الدق بواسطة سبع أبر، تغمس بدايةً في مزيج من الفحم والزبدة مثلاً، لإعطائها اللون الأسود، وفي دير الزور غالباً ما يستعمل الكحل مع الحليب، ولهذا السبب يصبح لون الوشم أخضر غامقاً.