سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

عفرين الوجع الذي لا يُنسى

مثنى عبد الكريم_

حكايتنا اليوم أعزائي متابعي زاوية حكاية وطن، هي عن تغريبة بدأت عاماً جديداً عن رحلة بين الحياة والموت، بين الوجود واللا وجود، بين الذاكرة والذكريات، تغريبة عميقة لها أثر قاسٍ في نفوس الناس، تذكرني بتغريبات كثر، ولكنها الألم والموت الصامت.
إنها حكاية عفرين، وارتحال شعبها عنها، في ذات يوم بينما كنت موجوداً عند أحد أصدقائي من العفرينيين المناضلين، بقلمهم الحر والفكر المنير، انطلقت رحلة الذكريات به، ليروي ألماً لا ينسى، ويكتبه قلم الذاكرة بمداد دموع الحنين، صديقي يخبرني، كيف بدأت المعاناة، حال الشعب التائه في صحراء المجهول، لقد أحسسنا أن الأرض قد ضاقت، وسُدت أبوابها، ما المصير الذي ينتظرنا؟ بدأت المناطق والقرى في عفرين بالسقوط، محتلة بعد مقاومة بطولية، وتضحيات لا تقدر بثمن، فجميعنا يذكر بارين، وكلنا لم ننسَ، آفيستا، لقد قدمنا التضحيات ولكن آلة الدمار الطورانية، لا تعرف كيف تتوقف، بل لا يوجد من دول العالم المجرم من يريد ايقافها، نعم بدأت القرى تُحتل، واقترب الموت الأسود من عفرين، وبدأت رحلة المجهول يصمت صديقي، ليمسح دمعة، ويحتسي رشفة من كأسه، ليخفي بها دمعته، ويقول بألم كانت القيامة يا هفال، أناس خرجت هائمة بالمئات، وشهداء كثر، الذين تركوهم خلفهم، وهكذا انطلقنا يقول كان هناك شاب، أقسم ألّا يخرج حتى يخرج أبوه، وبعد نقاش حمله، وهو يبتسم ويجري النقاش الى أين سنذهب؟ ! ابتسم ذلك الشاب ليقول الى المجهول، وتنزل من عينيه دمعة تحرق خدوده الحنطية، خرج الناس يومها، ازدحام لا يوصف، تركوا وراءهم ذكرياتهم، وأشياءهم وبعضاً من أحلام، وخرج ذلك الشاب الذي أصر أبوه أن يخرجه، لقد أراد في قرارة نفسه، أن يخرج أباه الى بر الأمان، ليعود ويقاتل، فالحر لا يقبل الأسر، ولقد كان حراً، خرج مع أبيه في هذا الازدحام ولكن كانت هناك مفاجأة، إنه الموت بقصف الطيران الفاشي الطوراني، أطفال ونساء ورجال وسيارات محروقة، يصرخ الشاب، أبي ويحضنه ويرتمي فوقه، ليحميه يناديه أبوه أنا بخير، فتنقشع غيمة الدخان الأسود، تتضح الرؤية لتأتي الصدمة إنه الموت بكل قسوته، أم تحتضن طفلها، وكلاهما قد استشهد أشلاء في كل مكان صراخ، بكاء، منظر يمثل كل معاني الألم كله، وجزءٌ من الحقد العثماني الطوراني، يخاطب الشاب والده: أبي هل أنت بخير؟ فيقول: نعم، ويقول الشاب: سأحملك، يحمل أباه يقف كجبل زاغروس ينهض كالعنقاء من بين الرماد يحلق بأبيه ومضي، لم يمضِ اقل من ربع ساعة، لم يعد الشاب يقوى على المشي، وأبوه على ظهره، فيقول صديقي، كنت أراقبه، جئت لأساعده نظر الي وقال: بابتسامة لقد فات الأوان، ادفنوني هنا بالقرب من عفرين، واحملوا أبي … نظر صديقي في عينيه، فأشار بعيونه الى أسفل شظية حاقدة تخترق جسده، الذي ينزف طهراً، وأمنية عاشق وشهامة بطل، وشجاعة مناضل، وبَرُ ولد بوالده، ارتمى الشاب ارضا، زحف والده: بني، قم ما بك؟ ليرى الدم، ويشرق وجه الشاب، ويمسح أبوه وجهه يدعو له يرفع رأسه للسماء، يصرخ لا فائدة يهمس الشاب ادفنوني هنا، وسأزورك كل يوم، يا أبي، سأحمل لكم أخبار عفرين، وآتيكم كربيع نوروز، سأكون نوره، وعندما تعودون الى عفرين سأكون في استقبالكم، ليرحل البطل، ويغمض عينيه، ويحلق كالنسر نحو رحلة الخلود.