روناهي/ أمل محمد –
شهد العالم انتشاراً واسعاً للإنترنت منذ بداية قرن الحادي والعشرين، ساهم في جعل العالم قرية صغيرة ومساحة في تبادل الأفكار والثقافات، عالم السوشيال ميديا أو كما يُسمى بمواقع التواصل الاجتماعي؛ خلق نوعاً من الإدمان لدى فئة من الناس، ورغم إيجابية استخدامه إلا أنه أنشأ حدوداً وهمية، لا يمكن إبصارها بين محيط العائلة الواحدة.
برامج وتطبيقات عديدة انتشرت، فجعلت من بعض الأشخاص يلهثون وراءها، وينجرفون نحو أفكار غير مسبوقة أو متعارف بها في عاداتنا وتقاليدنا، فأصبح جُل هم الشباب في العالم بأسره، هو الشهرة واستثمار الانترنت في خلق ثروة، ثروة على حساب أعمارهم ومبادئهم وأفكارهم، عدد المشاهدات بالملايين هو الهاجس لا يهم المحتوى بقدر أهمية جذب المتابعين، ولكن كيف تحولت نعمة الانترنت إلى نقمة؟ وكيف يمكن الحد من الاستخدام المفرط لها؟
الغريب أدرى بحالتهم
في سياق هذا الموضوع كان لصحيفتنا عدة لقاءات مع أشخاص لمعرفة آرائهم، بمواقع التواصل الاجتماعي ومدى أهميتها في حياتهم اليومية، راوان علي شاب في مقتبل العمر20 عاماً حدثنا عن تجربته في هذا المجال: “أول شيء أقوم به لدى استيقاظي من النوم، هو تصفح الإنترنت وتصفح صفحاتي؛ لمعرفة ما الجديد، لا يمكنني أن أتخيل، أن أعيش يوماً واحداً من دونه، هو الآن المنبر الذي يمكن للأشخاص التعبير عن أنفسهم بالصورة التي يرغبون بها”.
“أوثق حياتي اليومية لحظة بلحظة، وانشرها على مواقع التواصل سواء على الواتس آب أو حتى الفيس بوك”، أينما يذهب، أو أي حدث يقوم به، يوثقه راوان على وسائل التواصل، هذه الحالة تعدّ من الحالات النفسية الدارجة بين جيل الشباب اليوم، وهو توثيق يومياتهم، والتي تخلق نوع من الرضا بينهم، فتصبح حالتهم شائعة على مواقع التواصل والغريب، قبل القريب هو الأعرف بحالتهم.
النظرة الشابة للظاهرة
سولين عمر فتاة يافعة تبلغ من العمر 18 تتمنى أن تُصبح يوماً إحدى الشخصيات المشهورة، على مواقع التواصل الاجتماعي، فهذا الأمر يستحق العناء على حد قولها “إنه لأمر ممتع أن تكون شخصاً محبوباً ومعروفاً لدى الجميع، أرغب حقاً في تحقيق حلمي هذا، وأسعى إلى ذلك بالرغم من رفض عائلتي” مبينةً بأنها منعزلة تماماً عن الواقع، وتعيش في العالم الافتراضي، وتتواصل عن طريقه مع أصدقائها وأحياناً مع أفراد عائلتها، تفتقد للتواصل الحقيقي في ظل انتشار الإنترنت.
تجنّب المواقع الخطرة
كما وحدثنا أيهم حسكو ذو الـ 16 ربيعاً أنه لا يكترث لهذه المواقع، ويقوم فقط بالتصفح من أجل معرفة ما يحدث في العالم، ويكتفي بالمتابعة من بعيد دون الانخراط جدياً في زوبعة هذه المواقع “جميعها تجلب ألماً للرأس، لذا لا تُلفتني”.
ويقدم الشاب حسكو نصيحة لمن أصبح الإنترنت الجزء الأهم في حياته “في هذا السن علينا توخي الحذر، فليس كل ما ينتشر على الانترنيت حقيقي، معظم المحتويات زائفة، ولا تمد للحقيقة بصلة، والمراهقون عليهم تحكيم عقولهم وعدم الانجراف وراءها”.
حدود وهمية أوجدتها مواقع التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة
كما وحدثنا يوسف جمعة، رجل في الخمسينيات من عمره: إن انتشار الانترنت على أهميته، إلا أنه يُعدّ من أهم أسباب ضياع الأفراد، وتفكيك العائلة وتقسيمها “تتداخل الثقافات وتتمازج في مواقع التواصل، كل شخص يقدم نفسه ويُعبر عنها بالطريقة التي يرغب، فأحياناً تنتشر أفكار هي بعيدة جداً عنا وعن ثقافتنا، ومع ذلك فإنها تجذب عدداً كبيراً من الأشخاص، وهذا بحد ذاته من أسباب تفشي بعض العادات بين أبنائنا، وليست مُرحبة في مجتمعنا”.
وأضاف: “عالم الانترنت واسع لديه إيجابيات وسلبيات، ولكن دائماً ما ينتشر السلبي قبل الإيجابي، وذلك بسبب قلة الوعي، علينا وضع حدود لاستخدامه للاستفادة بشكل إيجابي، وليس العكس”.
الأطفال والشبكة العنكبوتية
“لم أستطع السيطرة على أطفالي” هذا ما لفتت إليه، هيفين شفان أم لطفلين بسبب إدمان أطفالها للإنترنت وانعزالهم فكرياً عن الواقع المحيط بهم، والذي من شأنه قد يؤدي إلى إصابة الأطفال ببعض الأمراض النفسية كالتوحد أو التلعثم في الكلام بسبب قلة الحوار.
وأشارت هيفين إلى أن الادمان ليس مقترناً بالأطفال بل يشمل كافة الفئات العمرية وهو من أهم المشاكل التي تواجه البشر في القرن الحالي “نحن من فسحنا المجال لغزو الانترنت، اليوم أصبح مرضاً خطيراً يتذبذب في الأدمغة والأفكار ويهدد المجتمعات كافة”.
الأطفال هم أكثر فئة تتأثر على مواقع التواصل وذلك بسبب أساليب الجذب، التي تتخذها بعض المنصات للفت وشد انتباههم، الأطفال يُشكلون نسبة كبيرة تتراوح بين 15 إلى 20 بالمئة من مستخدمي الانترنت مع عدم وضع ضوابط، أو قواعد للتحكم باختياراتهم، فكل شيء متاح لهم وما يقومون بالبحث عنه متوفر في مختلف المواقع والتطبيقات، وتعد هذه من أهم السلبيات التي ينتقدها الأهالي، ويطالبون بفرض ضوابط وأن يتم تخصيص تطبيقات معينة لكل فئة من الفئات.





