سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الدِّفاع الذَّاتيّ وتحقيق السَّلام

القائد عبد الله أوجلان_

لا تستطيعُ المجتمعاتُ الاستمرارَ بوجودها الذاتي، دون وجودِ الأخلاقِ الاجتماعيةِ والسياسة، والتي باتت نسيجاً قائماً بذاتِه، كعواملِ وجودِها في سبيلِ تسييرِ الشؤونِ المشتركة العامة للمجتمع بالمعنى الجماعي، مِن المحال أنْ تَكُونَ الحالُ الطبيعيةُ، أو الوجودُ الاعتياديُّ للمجتمعِ خالياً من الأخلاقِ أو السياسة، أما إذا لَم يَتَطَوَّرْ النسيجُ الأخلاقيُّ والسياسي الذاتي لمجتمعٍ ما، أو كان في حالةٍ قاصرةٍ، أو مُحَرَّفةٍ مُشَوَّهةٍ، أو مشلولة؛ فبالمقدورِ القول حينئذٍ: إنّ ذاك المجتمعَ يحيا تحت وطأةِ احتلالِ واستعمارِ شتى أنواعِ الاحتكاراتِ، بعدّها رأسمالاً وسلطةً ودولة، لكنّ الاستمرارَ بالوجودِ على هذه الشاكلةِ، يعني الخيانةَ تجاه كينونته الوجودية، والاغترابَ عنها، ويعني الوجودَ على شكلِ رعاعٍ قطيع، أو أشياءَ أو أمتعةٍ، وأملاكٍ في كنفِ حاكميةِ الاحتكارات، والمجتمعُ يَكُون في وضعٍ كهذا، قد افتَقَدَ طبيعتَه الذاتية، وخَسِرَ مهاراتِه كمجتمعٍ طبيعي، أو أنها تَعَرَّضَت للضمور (التقزم)، وهذا ما مفادُه أنه مُستَعمَر، بل والأنكى أنه بات موضوعَ مُلكٍ بكلِّ ما يَملكُه، تاركاً نفسَه للفسادٍ والتفسخ والاضمحلال، وقد لوحِظَ عددٌ جَمٌّ من المجتمعاتِ، التي تتوافقُ وهذا التعريف، تاريخياً أم راهناً، والمجتمعاتُ التي تمَّ إفسادها أو القضاء عليها، أكثر بأضعافٍ مضاعفةٍ من التي لا تزال متماسكة.
إذا ما آلَ المجتمعُ إلى حالةٍ من العجزِ عن تشكيلِ مؤسساته الأخلاقيةِ، والسياسية اللازمةِ للاستمرارِ بكينونته، وعن تفعيلها وتوظيفها؛ فهذا يعني إقحامَه في مكبسِ القمعِ والاستغلال، وهذا الوضع هو “حالة حرب”، من هنا، بالإمكان تعريفَ التاريخِ على أنه “حالة حرب” المدنيات ضد المجتمع، عندما لا تَقومُ الأخلاقُ والسياسة بوظيفتهما، فهذا يعني أنه لَم يَتَبَقَّ سوى شيءٌ واحدٌ فقط باستطاعةِ المجتمعِ القيامَ به، ألا وهو الدفاع الذاتي، فحالةُ الحرب هي حالةُ غيابِ السلام، بالتالي، لا يُمكن للسلامِ أنْ يَكتَسِبَ معناه، إلا بالتأسيسِ على الدفاعِ الذاتي. والسلامُ الخاوي مِن الدفاعِ الذاتي، ربما يُعَبِّرُ عن الاستسلامِ والعبودية، أما الألعوبةُ المسماةُ بالسلامِ الخالي من الدفاع الذاتي، بل وحتى بالاستقرارِ الديمقراطيِّ والوفاق، والتي تَفرضُها الليبراليةُ في راهننا على الشعوبِ والمجتمعات؛ فلا تُعَبِّرُ سوى عن حالةِ طمسِ وإخفاءِ هيمنةِ الطبقةِ البورجوازيةِ بالقوةِ المُسَلَّحَةِ الغارقةِ فيها، حتى الحَلْقِ بنحوٍ أحاديِّ الجانب، أي أنها ليست سوى تسييرٌ مُقَنَّعٌ لحالةِ الحرب، وتعريفُ السلامِ بهذه الشاكلة يَظهرُ أمامنا كمساعٍ عظمى لهيمنةِ رأسِ المالِ الأيديولوجية. أما في التاريخ، فيُعَبِّرُ عن ذاته بأشكالٍ أكثر تنوعاً واختلافاً باسمِ “المصطلحات المقدَّسة”. الأديانُ مشحونةٌ بمثل هذه المصطلحات. والأديان المصبوغةُ بالطابعِ المدنيِّ على وجهِ الخصوص هي هكذا.
لا يُمكن لاستتبابِ السلامِ أنْ يكتَسِبَ معناه الحقيقي، إلا في حالِ صونِ وضمانِ طابعِ الدفاعِ الذاتيِّ للمجتمعات، أي طابعِها الأخلاقيّ والسياسي. ونخصُّ بالذِّكرِ تعريفَ السلامِ الذي يتطلبُ مثيلَ الجهودِ الدؤوبةِ العظمى لميشيل فوكو، والذي لا يُمكِنُه اكتسابَ تعبيرٍ مجتمعيٍّ مقبولٍ إلا بهذا المنوال. وأيُّ تَحميلٍ آخر للمعنى عليه، لن يعني أكثرَ مِن كونِه فخاً منصوباً باسمِ كلِّ الجماعاتِ والشعوب، واستمراراً لحالةِ الحربِ بأشكالٍ مغايرةٍ مستورة. كلمةُ السلامِ مُثقَلَةٌ بالمصائدِ في كنفِ ظروفِ الحداثةِ الرأسمالية، بالتالي، فاستخدامُها محفوفٌ بالمخاطر، ما لَم تُعَرَّفْ بنحوٍ سليم.