سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الصراع والحرب والإرهاب على كردستان

القائد عبد الله أوجلان_

أسفرت المكانة الجيو ثقافية والاستراتيجية لكردستان عن تحولها إلى وطن، لربما مورست عليه أكثر وأشد أنواع الصراع، والحرب، والإرهاب (العنف الهادف إلى إدارة الناس بالترعيب والترهيب) في التاريخ.
كنتُ أعددتُ الأثر المسمى” بدور العنف في كردستان” في 1982، وكنتُ ظننتُ أنه ساعد على حل مسألة العنف وتحليلها، لكن الممارسة العملية اللاحقة، أبرزت أن ثقتي بنفسي في هذا الشأن كانت مشحونة بالأخطاء الكبرى، أنوِّه إلى أن هذه الأسطر مجرد مدخل تمهيدي، وأقول: إن ثقتي بنفسي هذه المرة هي واقعية حقاً، في عودتي لتحليل دور العنف في كردستان ثانية؛ وذلك انطلاقاً من العمق العلمي، الذي أحرزته، إنني أسعى لإبراز روح المسؤولية في التحليل، بما يتعلق بالظاهرة الكردية والمشكلة الكردية؛ مع تنبهي ويقظتي الكبرى والغائرة في الأعماق، أن سبيل الحل لا يمر من “العنف المقدس”، مثلما كان يُظَن (ومثلما عشنا مثيله باسم الاشتراكية)، بل، وخلافاً لذلك، فهو (العنف) ممارسات بشرية، يتوجب إغداق اللعنة عليها بأشكالها وبأنواعها كافة، فيما عدا “الدفاع المشروع” الاضطراري كضرورة لا مفر منها.
الدرس الأعظم المستخلَص من مفترق الطرق، الذي بلغه التاريخ، هو العمل أساساً بالسلم في الحل الديمقراطي للمشاكل العالقة، والتخلي المتبادل عن العنف، وقد طُرِح ذلك بكل عزم وإصرار، وإذا لم يُولَ اعتبارَه بالعزم ذاته، بل وتم سلوك السبل العسكرية بعناد؛ فستتولَّد الحاجة للمقاومة العسكرية الفعالة، بغرض نفاذ الواقع الاجتماعي التاريخي من الفوضى، ستفرض هذه المقاومة العسكرية ذاتها في هذه المرة كحديث الساعة الساخن.
ولكي لا ندع مجالاً للفهم الغلط، علينا القيام مجدداً بتناول مقتضب لدور العنف في كردستان، فوضعية كردستان، كوطن ومجتمع، قد حُدِّدت بقانون “الفتح”، ترجع تقاليد “الفتح” هذه إلى عهود السومريين، مستندة إلى دعامة المبدأ “ما تحكمتَ به هو لك”؛ والذي يرى في الهيمنة والعنف مقومة لكل الحقوق، فمن “فتح” في الأخير، يكون ذاك الوطن والشعب له هو، والديانة الإسلامية بالذات قد ربطت هذا المبدأ بأمر ديني مقدس، والقومية البورجوازية أيضاً تشبثت بأظافرها بمبدأ “الفتح”، ولا يتبقى على الشعب سوى الخضوع لفتوحاتها، والامتثال لكل كلمة تنطقها، أما بالنسبة لمبادئ الثوريين، فتُعرِّف الحرب على نحو مغاير، فمشروعية الحروب الممهدة للاستعمار، وبالتالي لحق “الفتح”، ليست إلا خداعاً ورياء يعكس إرادة الظالمين المجحفين، لذا، فعدم الخنوع لها، بل مقاومتها والتحدي لها، يُعَد مهمة مقدسة، إذ لا يمكن تخطي السفالة والانحطاط الناجم عن الحرب، إلا بوضع الحد الفاصل للخنوع والذل، أي أن حرب المسحوقين مقدسة، وإذا ما تطلب الأمر، فهي وسيلة الخلاص الرئيسية الواجب اللجوء إليها، للخلاص من الانحطاط الذي أُوقِعوا فيه.
وحكام الدول في كردستان ينظرون إلى ذواتهم كـفاتحي” زمانهم لهذا الوطن، حيث يشكل حق الفتح دعامة أبديتهم ونفوذهم، لذا، فهم لا يعدون أنفسهم مسؤولين عن السفالة والرزالة، التي يعانيها الشعب، أو حالته التي يكاد ينسى فيها وجوده، أو حتى عن افتقاره لكل أشكال المساواة والحرية، جلي أنه ثمة معضلة كبرى ترتكز في مضمونها إلى العنف، فالشعب العامل على هذه الأراضي على مر آلاف السنين، والذي نسميه بالكرد؛ لم يَرتَجِ أحداً بالقول: “تفضل وأقحمني في هذه الحال”، ورغم إدراك سمات عصرنا كفاية، فكيف سيتم تجاوز هذا الوضع العصيب؟ لهذا طريقان “إما بالوفاق الديمقراطي، وإلا – في حال عدمه – بالعنف تجاه العنف.