سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

نشطاء فَرِحون بتصريح موظف

مصطفى بالي_

الاستبداد كما وصفه عبد الرحمن الكواكبي (أصل لكل مفسدة) فهو يتلاعب بكل المفاهيم وكل القيم فيفسدها، لا يردعه عن غيِّه وجبروته إلا القوة الرادعة الموازية لقوته الغاشمة واستبداده، والحال هذا فإن الاستبداد في كل مكان وزمان يعتمد على جملة من المفاهيم والقيم، التي تعلبها في كتب مدرسية وتلقنها للأفراد والجماعات لإنتاج مجتمع مدجن بأفراد مدجنين بتعليم مدرسي مزروع فيهم جملة من الحقائق أو القيم التي لا يستطيعون تصور الحياة أو الواقع أو المعرفة خارج نطاقها.
 حيث يصف أمين معلوف هذه المعادلة قائلاً: “المدرسة تصنع كائنات راضخة مغلوبة على أمرها وأسهل تدجيناً” مستطرداً (“المعلمون الحقيقيون هم الذين يعلمونك حقائق مختلفة”.
خرج وزير تربية حكومة دمشق قبل فترة وجيزة على أثير راديو محلي ليطلق جملة (لا مانع من تدريس اللغة الكردية) لينتشر تصريحه انتشار النار في الهشيم في أوساط أشباه النشطاء نصف المتعلمين مدعيين الثقافة، وكأن الوزير المذكور قد وضع كلمة سر حل الأزمة السورية، وما على السوريين بمختلف مكوناتهم وأطيافهم إلا أن يقدموا الشكر والعرفان لوزير السلطة الموظف من الدرجة الأولى.
 هذا التعاطي الذي يُذكرنا بمقولة الراحل غسان كنفاني: “يسرقون رغيفك ويعطونك منه كسرة، ثم يطلبون منك أن تشكرهم.. يا لوقاحتهم”.
هؤلاء أشباه النشطاء، الفرحون بـ (المنحة الوزيرية)، الفاقدون للحد الفاصل بين الانتماء (الوطني) ذي المقاييس الاستبدادية والانتماء القومي، الذي لا يساوم على حقوقه غابت عن أذهانهم جملة من الحقائق التقنية في غمرة فرحهم بتصريح وزير السلطة الذي ما كان له أن يصرح بهكذا هراء لولا أنه يتكأ على سذاجة وبلاهة هؤلاء.
إحدى أهم الحقائق الغائبة عن أذهان المطبلين لتصريح وزير حكومة دمشق هو أن الوزير هو ببساطة موظف من الدرجة الأولى بصلاحيات تنفيذية في كل ما يخص وظيفته، وليس مُشَرّع وعليه فكل ما يقوله خارج إطار صلاحياته التنفيذية لا يعدو كونه كلاماً للاستهلاك المحلي فقط، لا قيمة له ولا وزن تماماً كقائله ومصدقه، وبالتالي فالوزير/ الموظف غير مخول بالسماح أو المنع لأي نشاط أو فعالية إلا في الإطار المرسوم له قانونياً وتشريعياً.
الحقيقة الأخرى التي غابت عن سذاجة هؤلاء هو أن الوزير إذا كان جاداً وكلامه يمثل السلطة التي ينتمي لها سيصرح في الجريدة الرسمية للسلطة، وليس على محطة راديو إذاعية محلية لا أهمية ولا مصداقية لها، وكل ما يبث عنها لا يلزم أحداً.
الحقيقة الأساسية التي غابت عن أذهان أشباه النشطاء هو أن اللغة الكردية ومعها لغات كل الشعوب السورية، هي قضية سياسية دستورية وليست مشكلة تقنية يحلها موظف بدرجة وزير وهو حق تناله المكونات في إطار نضالها لنيل حقوقها وليست مِنَّةً من أحد، فأن يكون المرء ضيفاً على القانون (حسب الروائي هنري) أشرف له من أن يكون ضيفاً على موائد المحسنين.
صحيح أن الأيام التي تتخلل الحروب وتليها تكشف عن فساد النفوس، وأن الفرائس كثيراً ما تنجذب لبريق مخالب مفترسيها، وسكيولوجية الشعوب المقهورة تجعل ضعاف النفوس يتهافتون على أبواب السلطان منصاعين لصولجانه، لكن الصحيح أيضاً أنه (من حسن الطالع أن الملوك يتشطون أحياناً وإلا لما سقطوا)، فيا أشباه نشطاء الكرد الفرحون بتصريح وزير السلطة أو الفرحون بكورس لغة غير رسمية لإحدى جامعات النظام، لا تعلنوا عن نصرٍ عظيم، فقط حاولوا أن تتجنبوا مرارة الهزيمة المذلة.