سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الوحدة مسؤولية والتزام

مصطفى بالي_

منذ أكثر من عام، تتدوال وسائل الإعلام الأخبار عن الحوار الكردي ـ الكردي بوصفه حواراً (لتوحيد) الشعب الكردي، مسوّقاً بأن هذا الحوار، أو هذه الوحدة ستنقذ الشعب الكردي من مخاطر الإبادة، وكأن عدو الشعب الكردي والمتربصين به، قد أعطوا الضمانات لجهة ما بأنه سيكف عن إبادة الكرد فيما لو توحدت هذه الأحزاب.
إن الخوض في هذا الموضوع يتطلب وضع النقاط على الكثير من الحروف الغامضة ودفع الالتباس عن الكثير من المفاهيم التي يتبناها ويسوقها البعض، دون أن ننسى بأن هذا البعض إذ يسوق لمفاهيمه ويحاول أن يلعب في المساحة الغامضة والمظلمة من هذه القضية إنما يخادع أغلب الشرائح الاجتماعية ويخفي بها جبنه ويبرر بها هروبه من التزام مسؤوليات القومية والوطنية والأخلاقية، لا بل وصل الأمر بالبعض لأن يظهر مواقفه الخيانية على أنها مجرد وجهة نظر، وعليه فإننا يجب أن نميز بين الدعوات التي تصدر من الشرائح الاجتماعية لإنجاح الحوار الكردي بصفته مطلبا جماهيريا، وبين الدعوات التي تصدر (نفاقاً ورياءً) من أطراف هي المعنية بإنجاح هذا الحوار بصفته مطلبا سياسياً، وبالمثل يجب التمييز بين مفهوم وحدة أحزاب سياسية، ومفهوم وحدة موقف سياسي لأحزاب سياسية مطلوب منها أن تلتزم مسؤولياتها في هذا المنعطف من تاريخ الشعب الكردي، وكذلك التمييز بين قوى سياسية تحاول أن تقنع العقل الباطن للشعب الكردي بأن وحدتها هو وحدة الشعب الكردي، وبين الشعب الكردي الذي لا يمكن اختصاره بمجموعات عاطلة عن العمل أطلقت على نفسها اسم أحزاب وكأن الشعب هو الحزب والحزب هو الشعب، فلا يمكن بأي حال من الأحوال اختصار الشعوب في أحزابه (هذا إذا اعتبرناها أحزاباً حقيقية بقواعد جماهيرية).
في جوهر هذه القضية وعمقها، كل الشعب الكردي، أفراداً ومجموعات، أمام مسؤولية أخلاقية لدعم المقاومة بكل صنوفها والصبر والمصابرة على كل عوامل اليأس والتشتت، وبعث روح التحدي لتجاوز هذه المرحلة والعمل بإخلاص وبروح من التضحية ونكران الذات (فردياً وجماعياً) للوصول إلى الانعتاق، والمقياس الذي يحدد صوابية الموقف والعمل المتفاني في سبيل القضية هو موقف العدو بالذات من الأطراف، سواء كانت الأطراف أحزاباً أو أفراداً، وبما أن جزءاً مهماً من المسميات الحزبية منخرطة وبشكل رسمي في جبهة العدو وترفع العقيرة (كذباً)؛ فإن المشهد في أساسه واضح لا يترك ريباً لمرتاب.
النقطة الجوهرية الأخرى التي يجب الإشارة إليها، هو أن هذه الحوارات لن تقلل من المخاطر كما يروج لها، بل العكس تماماً، ستزيد من وحشية العدو وتثير حفيظته أكثر من السابق، ذلك أن هذا العدو المسعور الذي لا يتوانى عن استخدام أبشع أنواع المجازر بحق جزء من الشعب الكردي الرافض للذل والعبودية، ويصرح جهاراً نهاراً بأنه ضد كل شيء كردي، فكيف سيتقبل أن يتوحد الكرد ضده بالذات.
بالعموم، التاريخ عبر ودروس، وصفحات التاريخ مليئة بسرديات الشعوب وطلائعها المقاومة، والتي كانت الجزء الأقل عدداً، بينما أنصار الأعداء كانوا الأغلبية، وبالتالي وحسب مفهوم التاريخ، وحدة شعب كامل بكل أفراده وأحزابه كذبة كبرى، أو مطلب حق يراد به باطل، فالوحدة من زاوية رؤية المقاومة هو التوحد حول خندق الدفاع عن الشعب والاضطلاع بالمسوليات الملقاة على عاتق الجميع، بينما الوحدة من زاوية رؤية المستزلم المستعبد هو إنهاء المقاومة والانتقال إلى حضن ومطالب العدو.
باختصار:الوحدة استعداد للنضال والتضحية بكل صنوفها وميادينها، واستعداد لتحمل المسؤوليات وخوض المخاطر، بينما دق الأسافين في الحوارات الوحدوية، هو ديدن الجبان المتخاذل الخانع الذي يحتاج دائماً لمشجب يعلق عليه دونيته وجبنه وتخاذله.
بالوحدة أو دونها، الشعب الكردي ماض دون تردد لقوننة مكتسباته، جل ما في الأمر أن التاريخ سينصف الثوار ويلعن الجبناء.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.