كوثر مارديني_
جميعنا نحلم بالحياة في بيئةٍ صحيةٍ نظيفة، والإنسان هو الأكثر تضرراً من التلوث البيئي، وبالوقت نفسه، هو المسبب الرئيسي لتدهور أو ازدهار البيئة الصحية من خلال الأعمال التي يقوم بها.
نعلم أن مدننا صغيرة، وأغلبها يمكن عدّها قرية صغيرة، وتمتاز بشوارعها الضيقة والمتعرجة، وغير المنظمة ورداءتها بنفس بالوقت نفسه، شوارعنا التي يجب عليك عند السير فيها النظر دائماً أمامك؛ لأنك ستسقط على وجهك، إذا لم تكن منتبهاً من كثرة الحفر والمطبات، هذا في الصيف، أما في الشتاء فتتحول أغلبها إلى بحيرات من الوحل، وتحتاج إلى زورق للسير فيها، أو إلى زلاجات كالتي يتزلجون بها على الجليد؛ لتصل إلى قصدك، وقد أمسك الله عنا السماء لطفاً بحالنا، وبالرغم من هذه الصعوبات كلها، بالإضافة إلى رداءة نوع المحروقات المستعملة، يبادر الشعب كله إلى اقتناء السيارات، وكأنها أصبحت من ضرورات الحياة، فلا يمكنهم الحياة بدون السيارة، بل يتبارون، ويتباهون بسياراتهم، من يمتلك الأغلى ثمناً والأحدث موديلاً وجمالاً، وكأنهم هم من اخترعوها حتى أصبحت أعداد السيارات في شوارعنا الميتة أكثر من أعداد البشر.
وبالاعتراف أن السيارة مهمة في وقتنا الحاضر، وتقضي الكثير من الأعمال، لكن كل شيء زاد عن حده، انقلب ضده، فالأعداد الكبيرة للسيارات، أثّر بشكل سلبي على مدننا، أعدادها لا تتحمله هذه المدن الصغيرة، حتى أصبح فوق كل مدينة غيمةٌ كبيرة سوداء من الدخان والغبار، ربما لا نشعر بها ولا نراها، ولا نحس بآثارها الكبيرة والخطيرة على صحتنا، فاستنشاق دخان السيارات، يؤدي إلى أزمات قلبية، وتعرض الأطفال لعوادمها، تزيد من خطر إصابتهم بالأمراض المزمنة، ومن بينها السكري؛ وفق آخر الدراسات، الإضافة إلى هذا كله الضجيج الذي تتسبب فيه، المؤثر على الراحة النفسية، ويؤدي إلى الشعور بالصداع دائماً، بالإضافة إلى أن ازدحام السيارات هذا؛ منع الكثيرين من هواة رياضة المشي من ممارستها، حيث لا يمكنهم ممارستها لازدحام الشوارع والدخان والغبار الكثيف، والرياضة بحاجةٍ إلى كميةٍ كبيرة من الأوكسجين، ونحن نعاني من نقصه بسبب قلة الغطاء النباتي؛ لأن مدننا تكاد تكون خالية من الأشجار، وحتى الأشجار المزروعة سابقاً يبست لقلة الأمطار والاهتمام، وفي المدن كما نعلم، وللتخفيف من أضرار عوادم السيارات، يزرعون الأشجار بكثرة، ويقومون بإنشاء حدائق عديدة، بل في كل مدينة يكون هناك حديقة عامة ضخمة، يلجأ إليها أهلها طلباً للراحة والهواء النقي، والجلوس تحت ظلال الأشجار، أما نحن فمحرومون من هذا كله، فلماذا لا نتباهى بعملٍ نبيل نقوم به لمجتمعنا أو خدمةٍ أو فكرةٍ أو اختراع أو أي عمل وفي أي مجالٍ كان؟ لماذا لا نتسابق في تطوير مجتمعنا ووطننا؟ ونحن اليوم بأمس الحاجة إلى هذا، بدل التباهي باقتناء السيارة، ولماذا القائمون على استيراد وإدخال السيارات لا يكفون عن هذا؟ ألا يرون بأمّ أعينهم أزمة السيارات في هذه الشوارع الميتة؟ ألا يرون دخانها القاتل كيف يلوث سماءنا؟ ألا يسمعون ضجيجها؟ ألا يرون الحوادث الكثيرة والمؤلمة كل يوم؟ لماذا لا يكفّون عن إدخال السيارات؟ كفانا سيارات… كفانا تلوثاً للبيئة.