سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

زاوية آخر الكلام ـ مصطفى بالي

استلام وتسليم_

مع ظهور موجة الحرب الإعلامية الأخيرة والتهديدات التركية ضد الإدارة الذاتية، عادت مجدداً لغة التصريحات والتصريحات المضادة من مختلف فرقاء الأزمة السوريّة، ببعديها الداخلي والخارجي، ومرتكزاتها المحلية والإقليمية، وترافق ذلك مع موجة من التعسف في التحليل وبناء الرؤى والأفكار بناءً على معطيات أغلبها غير موجودة إلا على وسائل الإعلام وغالبها نتاج دائرة الحرب النفسية الخاصة، تلك التي تعمل على تحقيق النصر وإلحاق الهزيمة بالإدارة الذاتية دون أن تشن حرباً حقيقية.
هنا نحن لسنا في صدد أبعاد تلك الحرب، أو شرح سياقاتها، أو تصور نتائجها فيما إذا نطقت الفوهات أو لا، ذلك أنه أريق الكثير من الحبر في ذاك السياق، وقيل ما يجب قوله من مختلف الجهات المعنية، وكان موقف الإدارة الذاتية، بمختلف مؤسساتها واضحاً جلياً لكل ذي بصر وبصيرة، إنما ما نريد لفت النظر إليه هو تكرار لغة خطاب مترافقة مع كل حالات التهديد التي تتعرض لها الإدارة الذاتية، ظاهرها الخوف على الناس من ويلات الحرب، وباطنها بث روح الهزيمة والاستسلام قبل أن تقع الحرب أساساً، هذه اللغة مفادها)تسليم المنطقة للنظام لإنقاذها من الأتراك) وكأن الهدف الأوحد لنا أو لشعوبنا ومكوناتنا هو أن نتفادى الذئب فنلتجئ للضبع.
لن أدخل في تفاصيل هذا الخطاب وجذوره، فقد يكون للحديث تتمة في القادمات، لكن ما أريد قوله هو إجراء مقارنة بسيطة لمقاربات هذا النظام الذي يدعونا البعض (للاستسلام) له تفادياً لغزو تركي.
هذا النظام وفي مختلف مراحل الأزمة، وعبر كل أبواقه وشخوصه، اتهم الإدارة الذاتية بكونها انفصالية، معادية، مشروع إمبريالي، مرتزقة وهلم جراً من التهم ولم تفكر يوماً ولمجرد تفكير أن تفتح آفاقاً حقيقية للحوار معها على الرغم من أن الإدارة بشعوبها من كرد وعرب وسريان/آشوريين وتركمان وغيرهم حاربوا داعش التي هرب النظام من مواجهتها وترك الناس لمصيرهم، حافظوا وطوروا البنية التحتية التي دمرها النظام ببراميله، قطعوا الطريق على الفتنة المهيبة التي ما زال النظام يستثمر فيها إلى الآن، وأكدوا في كل مناسبة أنهم جزء لا يتجزأ من سوريا بينما النظام ينشر فيالقه على حدودها ويفرض الإتاوات والجمركة على كل ما يدخل إلى هذه المناطق من مواد ويتعامل مع كل المنافذ على أنها بوابات عبور لحدود دولية.
على المقلب الآخر، وذات النظام، يلهث منكباً للحوار من أطر المعارضة المسلحة مع أنه هذه المعارضة بكل ما فيها، لم تطلق طلقة واحدة ضد داعش (أسوة بالنظام) وشرعنوا وجود تنظيم القاعدة في سوريا واعتبرته محرراً لمحافظة سورية كاملة، وتعاملوا بالليرة التركية رافضين العملة الوطنية وطالبوا بالتدخل الأجنبي جهاراً نهاراً، كما أنهم قتلوا الناس على خلفية انتماءاتهم المذهبية.
مع كل هذا يصرُّ النظام على تجاهل الإدارة الذاتية، لا بل تهديدها، والعمل على تقويضها، بينما يرضخ مذلولاً لهذه المعارضة المسلحة المرتزقة، وقد يتساءل أحدهم عن سر هذه المفارقة، إنها ببساطة التعبير الهوياتي عن جوهر ما يحمله هذا النظام من مشروع ومشروعية وطنية وزاوية تطابقه مع معارضته بالذات في القضية الوطنية، فهذا النظام، مثل معارضته تماماً، يريد ومن خلال التلاعب بالألفاظ والمصطلحات التوحيد بين مفهوم الوطن ومفهوم الحكومة، طبعاً بعد أن ألغى الدولة منذ زمن بعيد ولم يَعُد الناس يسألونه (أين الدولة؟).
مختصر ما نريد قوله عن المرحلة السابقة، وما قد نقوله عن مراحل مشابهة قادمة، هو أن شمال وشرق سوريا تحرر بإرادة ودماء أبناء هذه الشعوب، وهو لن يسلم إلى أي جهة لمجرد أن جهة أخرى تهدده، هذه الإدارة منفتحة على الحوار والبحث عن الحلول السياسية لكل السوريين، لكن قطعاً لن يكون في قاموسها التسليم، مثلما لم يكن في قاموسها يوماً (الاستلام).
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.