سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

لا نريد يوماً واحداً لمناهضة العنف.. 

ميديا غانم_

لم تستطع مجتمعاتنا الشرقية، إلى الآن أن تكون مكاناً آمناً للمرأة، ليس خارج المنزل فقط، وإنّما الطامة الكبرى، أنّ العنف داخل المنزل أكبر من خارجه، وهو السبب الرئيسي في استمرار حلقة العنف ضد المرأة.
ثقافة العنف تنطلق من الأسرة بدايةً، والتي ترسّخ مفهوم: أنّ الذكر هو الأقوى في المنزل، وله السلطة الكبرى حيث يتولّى الابن السلطة من الأب، على حساب إناث العائلة، مهمّا كان صغيراً، وحين يعنِّف أخواته، يبرّر له بأنه ذكر، ومن هنا يتمّ ترسيخ مفهوم، إنّ العنف على المرأة أمر اعتيادي.. فذاك الأخ الذي يعنّف أخته، سيعنّف زوجته وابنته مستقبلاً، وتلك الفتاة التي تعوّدت في أسرتها على أن يعنّفها الذكر في العائلة، سيعنّفها زوجها أيضاً، وكما تتقبّل الأسرة أن تُعنَّف من قبل أخيها، أو أبيها، ستتقبّل ذلك من زوجها بصدرٍ رحبٍ!
هل تساءلتم يوماً كيف تعيش المرأة، وهي بخوف دائم من أسرتها، خشية عقابها على أي خطأٍ ترتكبه، حسب القوانين التي وضعوها لها؟ ومن ثمّ يتطوّر هذا لخوف، تعيشه مراراً وبصورة أكبر في منزلها بعد الزواج، أو في الشارع من ذكر، وجد تعنيف المرأة في أسرته عادياً، فيجد لنفسه الحقّ بتعنيف أخرى في الشارع، ربما لا يكون جسدياً فيكون لفظياً بأهون حالاته.
حسب منظمة الصحة العالمية، فإنّ التقديرات العالمية المنشورة من منظمة الصحة العالمية (المنظمة)، إنّ “واحدة من كل ثلاث نساء (30%) في أنحاء العالم كافّة، تتعرّض في حياتها للعنف البدني و/ أو العنف الجنسيّ على يد العشير، أو الشريك، وعلى الصعيد العالمي ككل، تفيد ثلث النساء تقريباً (27%) اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و49 سنة من المرتبطات بعلاقة جنسية، بأنهنّ يتعرّضْنَ، لشكل معين من أشكال العنف على يد عشيرهنّ”، وبأغلب الحالات مجتمعاتنا الشرقية تجد العذر للرجل؛ مثل: معصب.. نرفزتيه.. مقصرة… أنتِ السبب!
ولكن المريب، أنّه عكس الكثير من دول العالم، التي توجد لديها قوانين تحمي النساء من العنف، ففي مجتمعاتنا الشرقية تُعدّ مسألةً عائليةً، ويجب حلّها داخل المنزل، فمن منّا لم يشاهد أحدهم، يضرب أخته، أو زوجته، وبمعظم الحالات لا أحد يتدخّل كالجيران، لأنّهم يعدّونها مسألةً عائليةً.
ولكن هناك أسباب أخرى أيضاً لاستمرار العنف ضد المرأة، وهي صمتها على العنف الممارس بحقّها، خوفاً من فقدان الأولاد، إذا حصل تفريق، أو خصام، أو استغناء العائلة عنها، ومساندتها لأخذ حقّها، فالعائلة التي تعنّفها، وهي في المنزل، بالتأكيد ستقبل العنف عليها من شريكها أيضاً، بالإضافة إلى أن بعض النساء بِتْنَ يعتقدن في داخلهنّ، أنّه شيء اعتيادي بأن يتعرّضْنَ للعنف من قبل الذكور في العائلة، أو الزوج؛ نتيجة الذهنية الذكورية المتجذّرة في مجتمعاتنا.
العنف ضد المرأة أكبر بكثير من أن نطرحه ببضعة أسطر، أو من خلال كتاب أو فيلم، أو نخصص يوماً لمناهضته، فهو كسر لإرادة نصف المجتمع “المرأة” وسياسة الذهنية الذكورية، التي يُقْمَع بها صوت النساء؛ كي لا يتحررْنَ، لذا علينا كنساء، أن نغرد خارج السرب، ولا نقبل بتخصيص يوم لمناهضته لنتذكر بأنّنا معنّفات، بل علينا كسر هذا القيد، ورفع أصواتنا: إنّنا لا نريد يوماً لمناهضة العنّف، بل علينا إنهاء العنف الممُارس بحقّنا، بدءاً من اللفظي وانتهاءً بحرماننا من حقوقنا.