سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الطّرقً الصوفيّةً

محمد القادري-

نتيجة دخول الإسلام إلى خدمه السياسيين من الخلفاء، والأمراء، والحكام، الذين مرّوا عبر التاريخ الإسلامي؛ ظهرت الطّرق الصوفيّة؛ لتعيد للإسلام الوجهة الصحيحة، التي تقول: إنّ الدين لله والوطن للجميع، ويدعو إلى تطبيق الآية الكريمة “لا إكراه في الدين” حيث أنّ التصوف: هو عبادة الله الخالصة لوجهه الكريم، دون تدخّل عبادة الغير، سواء كان مسلماً أو، غير مسلم، والتصوف يقبل المذاهب والطوائف جميعها دون تميّيز، نرى ذلك جلياً منذ نشأة التصوف في العهد العباسي، وظهوره على الساحة المجتمعيّة بشكل قويٍّ، حيث أصبح مشايخ التصوف قوّةً شعبيّةّ لا يُستهان بها، كان الخلفاء يحتاجونهم؛ وهم في أماكنهم القوية، لا يتنازلون لأحد بقوّة توجيهاتهم، وتنظيمه طرائقهم، وخير مثال على ذلك: الخليفة العباسي المستظهر بالله، كان يأتي إلى مقابلة الشيخ عبد القادر الجيلاني في بغداد، وينتظره لدى الباب حتى يدخل عنده.
مظاهر الطريقة القادريّة
 ظهرت الطريقة القادريّة على يد الشيخ عبد القادر الجيلاني في بغداد، حيث انتشر خلفاؤه في البلاد جميعها، يدعون إلى التقرّب إلى الله، وعبادته، والزهد في الدنيا، والبعد عن القتال على حطامها، وترك جمع الأموال، إذ كانت الطريقة مقبولة جداً عند الأوساط الشعبية، وانتشرت بسرعة، حتى وصلت الهند، وباكستان، والألبان، وهي المغرب العربي، وكذلك ظهرت الطريقة الرفاعية عند الشيخ أحمد الرفاعي الكبير في مدينة واسط في العراق، وأيضا انتشر تلاميذه في سوريا والعراق، أمّا في بلاد المغرب فقد انتشرت الطريقتان الدسوقية والبدوية؛ الدسوقية نسبة إلى الشيخ إبراهيم الدسوقيّ، والبدوية نسبة إلى الشيخ أحمد البدويّ، وهؤلاء الأربعة يسمّون عند أهل التصوّف في الأقطاب الأربعة، المدركينّ ويأتي بعدهم من حسن التصنيف الطريقة النقشبنديّة، التي تُنسَب إلى الشيخ محمد بهاء الدين النقشبنديّ من بخارى، وانتشرت طريقته في بلاد الشرق، وتركيا، وخاصّة بين الأعاجم، هذه الطرق جميعها، تدعو لتزكية النفس والتربية والأخلاق، ولا تدعو أبداً إلى السياسة، وتبتعد عن استعمال السلاح، وتستنكر القتال بين الطوائف والمذاهب، وتدعو إلى احترام رأي الآخر، وذلك وفقاً للمقولة المشهورة (دع الخلق للخالق)، وما زالت هذه الطرق تلعب دوراً كبيراً في استقطاب الشعوب، وتهدئة النزاعات، ولكن مع الأسف، قد تستغل عدد من الدول مشايخ الطرق في الدعوة إلى سياستها، والدعاية لها، وهذا ما يحدث على أرض الواقع، وهذا الفعل منافي لما بدأ التصوف وما قام عليه في أبجدياته، وحكمه، ودعوته، حقّاً إنّ التصوف يدعو إلى مبدأ فصل الدين عن الدولة عملياً، حيث الحكمة المشهورة في التصوف: نِعْمَ الأمراءُ على أبواب العلماء، وبِئْسَ العلماءُ على أبواب الأمراء، على مرّ العصور كان مشايخ التصوف يدعون إلى الحقّ والحقيقة، وإلى تكريم الإنسان، مهما كان انتماؤه.
التصوف لا يدعو إلى الجبن والخنوع، ولا إلى الامتناع عن الدفاع عن الشرف والوطن، لكن عكس ذلك، مشايخ التصوف كانوا قادةً عظاماً في الدفاع عن شعوبهم، وكان منهم أبطال في تحرير أراضيهم، وطلب حقوقهم، والقائد صلاح الدين الأيوبيّ كان سالكاً في الطريقة القادرية، القائد عبد القادر الجزائري، أيضا كان شيخ الطريقة القادرية، والبطل عمر المختار كان شيخ الطريقة التجانية، وهي فرع من الطريقة القادرية، وكذلك مشايخ الطريقة النقشبنديّة، والشيخ عبد الله النهاري الملا، ومصطفى البارزاني وغيرهم، الذين ذكرهم التاريخ، دافعوا بكلّ بسالة عن أرضهم، وشعبهم، ووطنهم، أمّا الدخول في السياسة واستغلالها لاستعباد الشعوب وقهرها وايصالها إلى حالة الخنوع، والخضوع لأيّ سلطة حاكمة، فهذا ما لا يقبله التصوّف، ولا يقبله الإسلام؛ لذلك نرى في هذه الأيام، اختلاف منهج  طريقة التصوّف، مشايخها، ومريديها، واتباعها، فقد أصبحوا وفقاً لسياسة حاكم ظالم جائر يعتدي على الشعوب، يقتل، ويدمر، ويحتلّ، هذه الطريقة لا تمثل التصوف؛ لأن التصوف يدعو، في جوهره، إلى روح الإسلام، وهو السلام والرحمة، وهكذا يجب أن يكون.