سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

حرب الشعب الثورية… ثورة جمهورية جنوب أفريقيا

دجوار أحمد آغا-

لكل شعب خصائصه ولكل وطن ظروفه التي تمنحه القوة للقيام بحربه التحررية وفي هذه الحلقة سنتحدث عن نموذج مغاير ومختلف من حرب الشعب الثورية ومن مكان مختلف. سنخصص هذه الحلقة للحديث عن حرب الشعب الثورية في جمهورية جنوب أفريقيا أولاً ضد المحتلين والمستعمرين الأوربيين، وثانياً ضد نظام الفصل العنصري السيء الصيت والمنافي للمبادئ والقيم الإنسانية. لكن دعونا في البداية نتعرف على جمهورية جنوب أفريقيا وتاريخها.
الموقع والحدود والمساحة
تقع جمهورية جنوب أفريقيا في أقصى جنوب أفريقيا حيث تمتد سواحلها الشرقية على المحيط الهندي بينما تطل الغربية على المحيط الأطلسي، تحدها من الشمال الغربي ناميبيا، بينما في الشمال تحدها كلاً من بتسوانا وزيمبابوي، أما في الشمال الشرقي تقع موزمبيق. بينما بقية حدودها الجنوبية والغربية فهي مع المحيطين الهندي والأطلسي. كما تقع داخل أراضيها مملكتان هما “سوازيلاند” و”ليزوتو”.
تبلغ مساحتها حسب موقع ويكيبيديا العالمي 1,221,037 كم2، تتوزع على أربع ولايات هي:
إقليم الكاب            ٧٢١٩١٤كم٢
إقليم أورنج           ١٢٩١٠٣كم٢
إقليم الترانسفال      ٢٨٥٩٥٥كم٢
إقليم ناتال ٨٦٩٣٣كم٢
عاصمتها بريتوريا ومن أهم المدن الرئيسية فيها: كيب تاون، جوهانسبورغ، بورت اليزبيث.
السكان والتنوع العرقي
يبلغ عدد سكان جنوب أفريقيا اليوم حوالي 60 مليون نسمة (59,622,350) مليون إحصاء عام 2020. يتكونون من قسمين رئيسيين هما:
  • السكان الأصليون
  • الأوروبيون البيض.
بالنسبة للسكان الأصليون وهم الأغلبية إذ يشكلون أكثر من 80 % من السكان وهم ينحدرون من عدة قبائل أفريقية أهمها “البانتو” الذين يشكلون الأغلبية وينتمي إليها شعب “الزولو” المشهور بالمقاومة والشجاعة، إلى جانب السوتو والفندا.
أما الأوروبيون البيض فهم الذين هاجروا إلى هذه البلاد واستوطنوا فيها أثناء فترة إحتلال دولهم لها، فهم خليط من الهولنديون والألمان والفرنسيون والبريطانيون حيث شكلوا فيما بينهم مجموعة عرقية متجانسة تحت اسم “أفريكانو” وهم يشكلون حوالي 8,5% من السكان.
كما يوجد بعد الآسيويين الذين هاجروا إلى هذه البلاد بحثاً عن فرصة جديدة للعمل والحياة وأصبحوا من مواطنيها وهم يشكلون حوالي 5% من السكان معظمهم هنود وصينيون وماليزيون وغيرهم.
تاريخ جنوب أفريقيا
تُعتبر منطقة جنوب أفريقيا من المناطق المأهولة بالسكان منذ القديم وهي عريقة عراقة التاريخ البشري. نعلم جميعاً بأن الإنسان العاقل قد ظهر في أفريقيا منذ حوالي 300 ألف سنة وانطلق منها منتشراً في سائر بقاع العالم مما يؤكد على أن أفريقيا هي مكان تواجد الإنسان الأول ومنها انطلق في رحلة البحث عن الذات. أظهرت الدراسات والأبحاث والإكتشافات الأثرية بأنه يوجد كهوف نهر كلاسيس آثار للتواجد البشري. وفي العصر الحديث؛ فإن أول من سكن المنطقة هم شعوب وقبائل البانتو الذين هاجروا من وسط غرب أفريقيا باتجاه الجنوب خلال بدايات القرون الميلادية الأولى.
كما تُشير الدراسات العلمية أن قبائل السان والخوي خوي “الخويسان” وهم مزارعون رعويون قد استقروا في المنطقة بداية العصر الميلادي حيث ظهرت آثار لعظام الماشية في شبه جزيرة كيب مما يٌثبت ذلك. بعد ذلك سكنت هذه القبائل وانتشرت في مناطق جنوب أفريقيا المختلفة وتُعتبر من السكان الأصليين في البلاد كما أسلفنا سابقاً.
بداية الاستعمار الأوروبي
الاستعمار الأوروبي كان في البداية يتم من خلال الاكتشافات البحرية التي تجري على سبيل المثال لا الحصر (كريستوف كولومبوس وإكتشافه لأمريكا، فاسكو دي غاما واكتشافه للهند، بارتولومو دياز وإكتشافه لرأس الرجاء الصالح” كيب تاون” في جنوب أفريقيا) ومعظم البحارة والرحالة كانوا إما برتغاليين أو إسبانيين أو هولنديين. هولندا التي نشأت فيها الدولة القومية قبل كل الدول الأوروبية الأخرى، كانت السبّاقة في استعمار أفريقيا والهولنديون هم أول من وضع حجر الأساس لمدينة “كيب تاون” في جنوب أفريقيا خلال عام 1652 عندما أنشأوا شركة الهند الشرقية الهولندية وبدأوا بالتوسع باتجاه الشمال خاصة مع إنضمام الألمان لهم حيث عملوا على بناء مزارع لهم واستغلال السكان الأصليين في هذا البناء وطردهم من أراضيهم. في عام 1652 كان عدد الهولنديون في جنوب أفريقيا 90 شخصاً فقط، وخلال فترة 143 سنة فقط وصل عددهم إلى 16 ألف مستوطن.
استخدمت هولندا جنوب إفريقيا كمركز لتجارة العبيد، حيث كان يتم إرسال السكان الأصليين كعبيد من كيب تاون بالسفن إلى أمريكا وأوروبا.
التدخل والاحتلال البريطاني
تأخر التدخل البريطاني في جنوب أفريقيا بسبب إنشغالها باستعمار أمريكا الشمالية وكذلك كندا وأستراليا بالإضافة إلى مشاكلها مع إسكوتلندا التي أخضعتها بقوة للتاج البريطاني، لكن ذلك لم يمنع بريطانيا من إرسال بعض المستوطنين إلى هذه المنطقة. وفي عام 1795 احتلت بريطانيا كيب تاون وأصبحت المنطقة المحيطة بها جزءاً من الإمبراطورية البريطانية سنة 1806 . لكي لا يحدث تصادم مباشر بين البريطانيين و”البوير” الذين هم السكان من أصل هولندي وألماني وفرنسي، قرر هؤلاء التوجه نحو الشمال مما أدى إلى نشوء حرب بينهم وبين قبائل البانتو تحت اسم حروب “الكافير” التي أدت إلى الهجرة الكبرى نحو الداخل أكثر فأكثر.
بالعودة إلى الإسعمار البريطاني فقد بدأ بشكل فعلي في وصول 5000 مهاجر إلى ميناء بورت إليزابيت عام 1820 ومنها انطلق قسم منهم باتجاه ناتال حيث اعتبروها مستعمرة إنكليزية عام 1856 ومن ذلك التاريخ انقسم المستوطنون إلى قسمين الإنكليز 40% منهم و60% البوير.
أقام البريطانيون إتحاد جنوب أفريقيا والحقوه بالتاج البريطاني في 31 أيار 1910 وفي عام 1960 ولكي تُضفي بريطانيا شرعية على نظام الحكم أجرت إستفتاء عام غيرت بموجبه صيغة الإتحاد إلى جمهورية جنوب أفريقيا.
نظام الأبارتيد العنصري
جرت انتخابات عامة في البلاد خلال عام 1948، انتصر فيها الحزب القومي العنصري الذي يُديره ويترأسه المستوطنون والذي شكل فيما بعد حكومة من الأقلية المستوطنة التي إستندت في حكمها وسياستها على مبادئ التمييز العنصري بين المستوطنين البيض الحاكمين وبين أصحاب الأرض الأصليين، وتفضيل المستوطنين على السكان الأصليين.
يرتكز نظام التميز العنصري “الأبارتيد” على الأسس التالية:
– شاط استيطاني ضمن مشروع كولونيالي انفصل عن الدولة أو الدول الاستعمارية الأم.
– تشكل جماعة قومية من خلال هذا الاستيطان تؤكد على تميزها “العرقي الأرقى” عن السكان الأصليين، بحيث تعبر الدولة عن سعي هذه الجماعة إلى الحرية والاستقلال، رغم أنها تشكل أقلية من ضمن سكان هذه الدولة.
 – نظام حقوقي من الفصل العنصري يبقي “العرق الأدنى” في نطاق الدولة، ولكنه يحرمه من حرية التنقل، ومن حق الاقتراع، فأبناء العرق الأدنى السكان الأصليون هم نظرياً مواطنون ولكنهم في الواقع رعايا الدولة خاضعون لها، والدولة لا تُعبرً عن تطلعاتهم، ثقافتهم، بل هي أداة للسيطرة عليهم “العرق الأرقى”.
– سيطرة نخب “العرق الأرقى” على مقدرات البلاد الاقتصادية وثرواتها، بما في ذلك الأرض. أثمن الثروات إطلاقاً.
– ثقافة سياسية ودينية منتشرة ترتكز على نظريات عرقية تتبناها الدولة والكنيسة، وتشكل تبريرا نظريا وأخلاقيا لنظام الفصل العنصري.
المؤتمر الوطني الأفريقي
يوم الثامن من كانون الثاني 1912 اجتمع مثقفون ومناضلون وقادة المقاومة والمجتمع المدني وزعماء القبائل السكان الأصليون في البلاد في مدينة بلومفونتين وأعلنوا تأسيس “المؤتمر الوطني الأفريقي” للدفاع عن حقوق السكان الأصليين للبلاد في مواجهة السيطرة الفعلية للأقلية المستوطنة البيضاء.
أول رئيس للمنظمة كان جون لانغالي دوبي، ومعه من الأعضاء البارزين بيكسلي با ايساكا سيمي والشاعر والمؤلف سول بلاتيي. بين أعوام 1951 و1958 تولى قيادة المؤتمر شخصية متمكنة هي ألبرت لوثولي حيث قاد انتفاضة شعبية ضد قانون التمييز العنصري الذي سنته حكومة الأقلية البيضاء.
 في عام 1960 حدثت مجزرة في بلدة “شاربفيل” في مقاطعة ترانسفال عندما توجهت حشود جماهيرية نحو مركز للشرطة البيضاء احتجاجاً على قانون “الاجتياز” هذا القانون الذي كان يمنع الأفارقة من دخول المدن البيضاء أو المرور على الطرق المخصصة للمستعمرين البيض. كان الاحتجاج سلمياً لكان الشرطة أطلقت النار عشوائياً على الجمع الغفيرة مما تسبب في فقدان 289 شخصاً لحياتهم بينهم 69 طفلاً. بعد هذه الأحداث قررت السلطات العنصرية إغلاق مراكز حزب “المؤتمر الوطني الأفريقي” وحظر كافة نشاطاته. وعلى خلفية هذه الأحداث الدامية أسس نيلسون مانديلا (1918 / 2013) جناحاً عسكرياً لحزب المؤتمر أطلق عليه اسم “رمح الأمة” حيث بدأ بالكفاح المسلح حيث تم اعتقاله مع مجموعة من رفاقه منهم جو سلوفو وأوليفر تامبو وغوفان مبيكي وغيرهم في عام 1962 وفي عام 1964 حُكم على مانديلا بالسجن مدى الحياة بتهمة التخطيط لعمل مسلح ضد الدولة والسلطات.
نضال نيلسون مانديلا
لم يستسلم مانديلا لليأس أبداً فعلى الرغم من الحكم على بالسجن مدى الحياة، إلا أنه استمر في المقاومة من داخل السجن وهو السجين الذي يحمل الرقم 466/64 حيث قضى 18 عاماً من فترته الأولى في زنزانة بجزيرة روبن، نقل بعدها في عام 1982 إلى سجن بالسمور حيث الحراسة الأمنية المشدّدة ونقل بعدها إلى سجن فيكتور فيرستر الذي بقي فيه لغاية إطلاق سراحه سنة 1990. كل يوم كانت تصله مئات الرسائل المتضامنة مع نضاله ونشاطه ضد سياسة الفصل العنصري حيث أصبح ممثلاً ورمزاً للكفاح ضد العنصرية في نظر الرأي العام العالمي. تشكلت لجان للدفاع عن مانديلا وضغطت منظمات إنسانية وحقوقية وكذلك نشط الرأي العام العالمي وخاصة في الدول الأوروبية وأمريكا، وأمام هذا الضغط الدولي الكبير إضطرت سلطات نظام الفصل العنصري إلى إطلاق سراحه بعد قضائه 27 عاماً مسجوناً سنة 1990.
 يقول مانديلا: “من السهل أن تُكسر وتُدمر، لكن الأبطال هم أولئك الذين يبنون ويصنعون السلام”، ويبدو أن مانديلا كان يقصد نفسه بهذا القول. يُذكر أنه رفض جائزة مصطفى كمال “أتاتورك” سنة 1992 وذلك دفاعاً عن الكرد حين قال: “حاول أن تكون كردياً ليوم واحد وستعلم لماذا رفضت الجائزة..” . رداً على هذا الموقف النبيل والرائع لم يُشارك أردوغان في جنازة الرئيس الراحل في عام 2013 والتي لها أكثر من دلالة على العداء والحقد الدفين ضد الكرد وأصدقائهم أينما وُجدوا.
التخلص من التمييز العنصري
إن تاريخ جنوب أفريقيا حتى عام 1995 هو تاريخ التمييز العنصري الذي مارسه السكان البيض من أصل أوروبي بحق الغالبية من سكان جنوب أفريقيا الأصليين الأفارقة من قبائل الزولو والبانتو وغيرهم كما أسلفنا سابقاً حيث التفرقة العنصرية البغيضة. لكنه بنفس الوقت، تاريخ الكفاح والمقاومة الباسلة التي قادها المؤتمر الوطني الأفريقي بقيادة نيلسون مانديلا من أجل القضاء على هذا النظام الجائر والبدء بفتح صفحة جديدة في تاريخ جنوب إفريقيا.
تكمن عظمة مانديلا في قدرته على إستعاب وضبط الغضب الجماهيري الكبير ومنعه من الفلتان والتحول إلى حرب أهلية، على العكس من ذلك إستطاع أن يحول هذه الغضب العارم إلى روح المصالحة الوطنية والعيش المشترك ونبذ فكرة الانتقام. بهذه القدرة العجيبة التي امتلكها مانديلا ورفاقه من قادة المؤتمر الوطني الأفريقي قاد المفاوضات مع نظام دي كليرك واستطاعوا الوصول إلى اتفاق بإجراء الانتخابات العامة التي جرت بالفعل في 27 نيسان 1994 والتي فاز بها حزب المؤتمر الوطني بأغلبية ساحقة 62% من الأصوات والتي مكنته من إيصال رئيسه إلى سدة الرئاسة في جمهورية جنوب أفريقيا والتي استمر في رئاستها لغاية عام 1999.
جنوب أفريقيا الآن
تُعتبر جمهورية جنوب أفريقيا ذات النظام البرلماني من الدول الداعمة لحقوق الإنسان والمساندة لقضايا الشعوب العادلة، وكانت من بين الدول المرشحة لذهاب القائد عبد الله أوجلان إليها، لكن تكالب الدول الإمبريالية في حبك المؤامرة الدولية بحق القائد لم تسمح بوصوله إليها. كما أنها نظمت وبنجاح بطولة كأس العالم لكرة القدم سنة 2010 وتُعتبر بذلك أول دولة أفريقية نظمت هذه البطولة العالمية.
نختتم هذه الحلقة بالموقف المشرّف والوطني الكبير الذي اتخذه شعب جنوب أفريقيا عندما لم يُقرر الانفصال وتكوين دولة مستقلة، كما ولم يُطالب بطرد الأقلية البيضاء التي مارست سياسة الفصل العنصري. فمعركته كانت ضد هذه السياسة وبرأيه لا يمكن للانفصال أن يكون علاجاً وحلاً لهذه السياسة الإقصائية. عندما نال مانديلا جائزة نوبل للسلام مناصفة مع دي كليرك قال: “.. عندما خرجت من السجن كانت مهمتي تتمثل في تحرير الظالم والمظلوم معاً”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.