سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

العشق والوطن والمقدس في نصوص فريدون سامان ـ2ـ

آراس بيراني_

رغم وضوح التاريخ المعاصر للمتابع العادي أو القارئ للشعر، لكن الدراسات النقدية اكتشفت ملامح جديدة عبر محاولات فتح مسارب ضوء قادرة على إضاءة النص من الداخل، وتتبع المعنى الكامن خلف كل صوت وكل كلمة، بدءًاً من علاقة العنونة ومدى سلامة الترجمة، ومن وجهة جديدة، خاصة أن نصوص سامان الـ14 غنية المضامين عميقة التتبع لتاريخ الوجع، فقد ولج أبواب عدة يعيد تشكيل الصحراء بما عاشت من سلب ونهب، وغزو عبر تاريخ صحراويين ما زالوا يشحذون سكاكينهم لجز رقاب بريئة ويسفح الدم الكردي دافئاً، نقيا.…
بكل جمال وبهاء، وقدسية الطواويس يرسم عالماً جميلاً مدركاً، لأبعاد الحالة الشعرية وتاريخ الحدث المنفصل والمتواصل، تاريخ من العشق للحياة وللأرض، تاريخ من الغدر والألم والغزو، وتستطلع الدراسات مدى التماهي والتناص مع التاريخ الديني أو الأسطوري وتحليل حوامله الشعرية مبيناً الأثر الأدبي والمعرفي في تكوين تجربة سامان الحداثوية، والتي ربما تخالف العنوان الرئيس للكتاب، فلا أعتقد أنه ثمة إخفاق ازاء تجربة شعر، أو أدب، فممارسة الشعر ليست عملاً مادياً، او خطة مبنية على ارقام ونسب نجاح أو نسب تنفيذ، انما، وبناءً على الدراسات المنشورة في هذا الكتاب، وضمن سياقات الابداع والاخفاق نجد أن تجربة فريدون سامان لها تشكيلية أدبية تمتلك مداخل، ورؤى شعرية عبر لغة رشيقة تسمو كالضوء في طرد العتمة، مجددا ممارسته الحثيثة لعمليات التناص وتوليد مفردات وممارسة بنية سردية. مضادة في محاولة إعادة تشكيل ملامح نص شعري كردي حداثوي كتاريخ له دهشته وشغفه، بعيدا عن لغة الأرقام والتشويه، فيقدم الموت نقيا، صارخاً ثائراً على وجعه، وألمه متفائلاً بأمله في عودة الأزاهير وأسراب الطيور إلى جغرافية بديعة مطرزة بالوجع والجمال ضمن ثنائية مضادة تضم السفاحين، وعشاق يمارسون الحياة، فتصدأ سكاكين السفاحين وفي حقل آخر يرتفع نشيج المذبوحين، يرسمون وجعاً إنسانياً بلغة باذخة… تجربة شعرية تخترق خطاب السلطة والهيمنة بصورة ثورية وتجتاز المدى التاريخي بلغة شعرية محطما تابوهات محرمة، وكأنه يروي لنا اساطير قديمة. عبر بنية معمارية تماهت مع الآخر، لصالح انكماش الأنا لصالح الـ “هو” أو ربما “هم”.
نقاط سريعة اعلن عنها في سبيل تقديم فكرة مختصرة عن عوالم النص الشعري لدى فريدون ذات الفضاء الشاسع، التي لا تنفك تمتلئ بالعشق، تعتمد حركات الانزياح المركب، والحالة التبادلية ما بين رقة المفردة، ورومانسيتها ازاء قساوة الموت، والظمأ، واليباب، بالإضافة لقدرته على الرسم بالكلمات، والتأسيس المعرفي لإعادة بناء اساطير كردية جديدة عبر صور بلاغبة، واستغراق في موضوعات المبنى للمعنى في إبداع الشكل النصي، وأدلجة الصورة الشعرية، وهذا ما يُبرز فريدون سامان كأحد محدثي البناء الشعري الكردي المعاصرين، كما جاء في متن بعض الدراسات فهو لا يعتمد بناء نصه الشعري باستخدام لغة قاموسية، او مفردات تراثية، وإنما يستخدم بنية لغوية واضحة المعالم، لغة دالة تمتلك شغف الدهشة والإيقاع الموسيقي المتحرر وزنيا من اصفاده الصدئة، حيث يعمد الى إيجاد استهلال لنصوصه برومانسية تأخذ القارئ نحو تخوم المعنى الغافي، ومقدرته على تشكيل نموذج جديد ومعياري لصنعة الشعر كردياً في حالة من الرقي الفني..
كتاب يمتلك متعة القراءة، كتاب بمستويات قرائية ثلاث، حيث النصوص الشعرية المختارة بعناية فائقة، والدراسات البحثية والنقدية تقدم مستوى ثان لمتعة التفاعل وكشفها لحالات وصور لم يدركها القارئ من وجهته، هذا بالإضافة إلى أنه يقدم وجبة أدبية دسمة وفرصة لقراء العربية للاطلاع على تجارب من الشعر الكردي الحديث عبر ترجمات متعددة لنصوص شيقة وشائقة إلى اللغة العربية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.