سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الطب بين واقع التجارة وحقيقة الإنسانية

مثنى عبد الكريم-

الطبيب ذلك الملاك الذي كان يُنظر له بقدسية عظيمة وله وقار يعلوه وشموخ كبير ورأي يُسمع في المجالس، نعم هكذا كان الأطباء وهكذا كانت مهنة الطب تسمى سابقاً بمهنة الإنسانية وكان يطلق على الأطباء ملائكة الرحمة بثوبهم الأبيض الذي يبعث على الأمل، هكذا كانوا يسمونهم الناس ولكن في وقت كانوا فيه ملائكة وكانوا فيه أطباء وكان يا ما كان أيها الأعزاء الكرام في سالف الأزمان أطباء الرحمة، ولكن وفي انتقال سريع إلى واقعنا الأليم المرير بعد الثورة السورية وتحولها إلى أزمة حّولت غالبية الأطباء إلى آلات وماكينات صرافة وبنوك، ليتحول الملاك إلى وحش جشع وعبء يُثقل كاهل المواطن فأصبح المواطن المسكين الذي لم يعد يعرف ماذا يفعل ولسان حاله يقول “من وين بدي لاقيها للاقيها” يتحول إلى راقي أو طبيب أعشاب يداوي نفسه بنفسه متوكلاً على الحي الذي لا يموت مفوضاً أمره له مستسلماً لقضائه فيما ينزل به من مرض وبلاء؛ فهل من المعقول أن معاينة الطبيب تصل إلى عشرة آلاف ليرة سورية؟! وهل من المعقول أن المراجعة بنصف القيمة!
إذا كانت المعاينة كلها دقائق معدودة وسط تفشي التجارب العجيبة للأدوية والتحاليل التي في أغلب الأحيان لا تكون ذات أهمية، ولكن الطبيب له نسبة من المخبر الفلاني ونسبة من الصيدلية الفلانية فهذا الدواء لا يتوفر إلا عند فلان وهذا التحليل في المخبر الفلاني فهل بقيت هذه المهنة مهنة إنسانية أم أنها أزمة أشبه بتجار الأزمات وتجارها، فأين الرقابة من الاتحادات المعنية؟
 ولماذا التجارة بأرواح البشر في وقت يعاني منه الشعب من آلام الحياة المتمثلة بين مرارة الفقر وبؤس التهجير وظلم أصحاب العقارات المؤجرين بالدولار وغيرها من هموم ومصائب الدهر، هل من المعقول أن تجد امرأة تستجدي الممرضة أو موظفة الاستقبال المساعدة التي إن أرادت التحدث معها كأنك تتحدث لمخلوق فوقي وطبعاً كذلك لا أعمم.
الواقع المرير الذي جعل الكثير من المهن الإنسانية تتحول إلى تجارة وغاية هذه المهنة هي (نفض جيب المواطن) وسلبه ما تبقى من قوته بعد أن كانت غايتها هي الإنسان بذاته، نجد اليوم البعض ممن لم يقبلوا أن يتلوثوا بقذارة تجارة هؤلاء بأرواح المواطنين فنسمع أن الطبيب الفلاني أو الطبيبة الفلانية تعالج بالمجان أو بربع القيمة، أشعر بأن الخير لا يزال موجوداً ومستمراً وبعضهم يتنازل عن أجرته في عمليات المشافي الخاصة التي أصبحت مسلخاً بشرياً يُثقل كاهل المواطن ويؤرق حياته تشعر أن الخير موجود لا ينتهي، فما أروع عندما ترسم الابتسامة على وجه محتاج أو فقير أو عائل، وما جمل الإحساس الذي ينتابك عندما تسمع دعوات من قلبك لأطباء وطبيبات اختاروا الإنسانية في مهنتهم، فرغم كل هذه الأمراض التي أصابتنا بجشع الغالبية إلا أن هناك روح طيبة تنشر السلام والصحة وتسعى وتمد يد العون فأولئك لهم منا كل الاحترام والتقدير والتحية وهؤلاء حقاً من يستحق أن نقول لهم أنتم حكاية وطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.