سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

إغلاق مكتبة نوبل يُحدِث ضجة في دمشق

حصلت ضجة كبيرة على إغلاق مكتبة نوبل، لأنها تمثل إحدى معالم الثقافة في دمشق، إلى جانب مكتبة ميسلون.
المثقفون رأوا فيها جزءاً من ذكريات الماضي الثقافي، في ظل واقع متردٍ تتحطم فيه كل القيم، خاصة الثقافية، مع التردي العام في البلد، والموت الذي أصاب كل شيء، أو حالة التقهقر التي وصلت حد الموت، حيث أصبحت الثقافة رفاهية في بلد تنتمي فيه شريحة المثقفين إلى الشرائح الفقيرة.
لم يستجد شيء، لكن إغلاق المكتبة جاء بمثابة الإنذار، فمنذ سنوات والمثقفون غير قادرين على شراء كتاب، خاصةً أن دخلهم المادي أقل من أن يؤمن لهم الحد الأدنى للمعيشة، ولا يكاد الدخل يكفي لتغطية الغذاء.
لِمنْ لا يقرؤون
الكاتب الصحفي والسيناريست “حسن يوسف” أعرب عن حزنه الشديد لإغلاق المكتبة، وقال إنها ليست مجرد مخزن لبيع الكتب، بل كانت رغم صغر مساحتها فضاءً ثقافياً رحباً، تحاور فيه مع عشرات المثقفين والأدباء.
وأشار “يوسف” أيضاً إلى أن الوسط الثقافي “صُدِم” قبل سنوات بإغلاق مكتبة ميسلون العريقة والتي تحولت إلى مركز للصرافة وتحويل العملات.
وقال إن هذا الأمر له دلالاته الرمزية، ورثى ” يوسف” الكتاب الورقي الذي حاصره الغلاء، والتضخم حتى لم يعد ثمنه يتوفر إلا لدى من لا يقرأون.
ووصف الفنان السوري أيمن زيدان إغلاق نوبل بأنه جزء من سلسلة وصفها بأنها “أزمنة الحلم”. وقال إنه على مدى سنوات طويلة أغلقت في دمشق الكثير من دور السينما، وكذلك قاعات المسارح والمكتبات التي كانت قِبلة أجيال كثيرة، وها هي الآن مكتبة نوبل تغلق أبوابها، وتساءل ماذا يعني كل هذا وإلى أين نحن سائرون؟
بينما كتب الكاتب السوري والمؤرخ الدمشقي سامي مبيض ما يشبه النعوة للمكتبة، وقال إنها كانت معلماً ثقافياً في دمشق منذ سبعينيات القرن الماضي، واعتبر أنه كان لها فضل على “ملايين” الناس الذين اقتنوا منها كتباً.
وأشار “مبيض” إلى أن مكتبة نوبل تضاف إلى سلسلة من المكتبات الشهيرة التي أغلقت في السنوات الماضية مثل ميسلون المجاورة لها ومكتبة اليقظة عند مقهى الكمال التي أصبحت متجراً لبيع الأحذية، أو الذهبي في الشعلان التي تحولت لمحل بيع فلافل.
ووجه “مبيض” الشكر لصاحب المكتبة أدمون قائلاً: إن “مكتبته كانت مصدراً رئيسياً عن تاريخ سوريا الحديث”، وأشار إلى أنها أيضاً “مركزاً لبيع مؤلفات المبيض في دمشق”.
وأضاف “مبيض”: “الحكومة البريطانية أصدرت تعليمات بإبقاء جميع المسارح ودور السينما مفتوحة أيام الحرب العالمية الثانية كي يحافظ اللندنيون على توازنهم النفسي والفكري في ظل تساقط القنابل الألمانية اليومية عليهم”، وتساءل “هل من أحد مهتم بالحفاظ على توازننا النفسي والفكري نحن سكان دمشق؟”.
بدوره قال المحامي بسام العطري إن الإغلاق كان أمراً حتمياً، وأشار إلى أنه قبل مكتبة نوبل سقط في المصير المؤلم نفسه محل “شام دان” في منطقة الشعلان بدمشق.
وأشار إلى أن ذلك المحل كان يحتوي أكبر مكتبة موسيقية، وأرشيفاً موسيقياً بدمشق. وقال إنه تحول إلى محل (أحذية)، وذلك في مفارقة مُعبرة عن الواقع في أصدق تعبير.
بعد ذلك سقطت مكتبة اليقظة، وأخيراً، ولن يكون آخراً، سقوط مكتبة نوبل، “يستمر السقوط في زمن السقوط”.
جَلْدَ الذَّات
من هذا المنطلق ورغم الضجة التي رافقت إغلاق المكتبة ثمة من رأى أنها هذا أمر طبيعي، وهنالك مبالغة في التعاطي معه، وكان الأكثر تعبيراً عن هذا الرأي المحامي المعروف عارف الشعال الذي رأى في حالة الشعور بالأسى على إغلاق نوبل نوعاً من جَلْدِ الذَّات.
وقال: “في النهاية المكتبة متجر خاص لبيع الكتب، وهي ليست مكتبة عامة للمطالعة بالمجان، كما أنها ليست جمعية خيرية أو وقف، ومن الطبيعي أن تتأثر بعض المهن في ظل التقدم التكنولوجي كالصحافة ودور النشر، والكتب باتت متوافرة بشكل إلكتروني وبالمجان وبكبسة زر، ومن الطبيعي أن تتحول هذه المكتبة لتجارة أخرى تدرُ ربحاً، وهذه سُنَّة الحياة”.
ويشاركه الرأي الإعلامي أسامة يونس حيث قال لنورث برس: إن “هنالك مبالغة في التعاطي مع الأمر، فمشكلة الكتاب لم تكن يوماً في مقر مبيعه، سواءً مكتبة خاصة أو عامة، بل أساساً في وجود ذلك الكتاب الذي يعالج قضية تهم الناس”.
ابتعاد الناس عن الكتاب لم يكن فقط بتأثير العامل المادي، بل هناك أسباب أخرى، أهمها أن الكتاب بوصفه أداة تُسلط الضوء بعمق على قضية تَهمُّ الناس لم يكن متوافراً طوال عقود إلا بنسب محدودة جداً.
 وحتى الآن تعيش سوريا في الجانب السياسي على كتب لمذكرات سياسيين ينتمون لخمسينيات القرن الماضي وحتى كتاب نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع الذي كان يمكن أن يباع حتى لو وُضِعَ على الأرصفة، لكنه لم يكن متوفراً وهو من السياسيين القلائل الذين وضعوا تجربتهم في كتاب، رغم أنه بقي يفتقد الرواية المفقودة وإن كان هو ذاته حاول أن يروي تلك الرواية.
وكثير من الشخصيات القريبة إلى صنع القرار أو صاحبة قرار نسبي غابت دون أن تكتب حرفاً عن تجربتها. وأضاف “يونس” أن هنالك مكتبات مثل المكتبة الظاهرية في الحميدية، وحالياً الوطنية (مكتبة الأسد) في دمشق قد أخذت الطابع الثقافي، لأنها تقدم خدمة القراءة بالمجان. أما المكاتب الخاصة مثل نوبل وميسلون فهي في النهاية مكتبات خاصة، ومكاناً لبيع سلعة اسمها الكتاب.
وكالات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.