سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الزبون المخرج.. تراث فراتي عصي على الاندثار

جل آغا/ غزال العمر ـ

ارتبط الزبون المخرج بفئة من السكان وفدت للمنطقة من مدينة الرقة السورية في مطلع السبعينيات بعد أن ابتلع نهر الفرات الهائج آنذاك بيوتهم وأراضيهم التي لم يفكروا يوماً بتركها؛ ففيها ولدوا وبأحضان النهر تربوا ليخرجوا منكوبين تنقلهم حافلات نقل كبيرة لا يدرون بأي وجهة تسير بهم وتنقلهم ليتم توزيعهم من قبل الحكومة السورية في مدينة الحسكة وبلداتها ويصبحوا جزءاً منها.
  “المغمورين” لقب رافق تلك الفئة التي تعايشت وعاشت مع أهل المنطقة؛ لها خصوصيتها ولها ما يميزها من عادات وتقاليد لا تزال تمت للفرات بنسب ولأرضه بالوفاء “طبخهم، لباسهم، تراثهم” أشياء ميزتهم وقراهم عن غيرهم من الشعوب في المنطقة.
أجزاء وتفاصيل اللباس الفراتي
لكن ما الذي يميز النساء الفراتيات؟ كيف تلبس تلك النسوة وما هو الزبون الذي لا زالت المرأة الفراتية متمسكة به رغم التطور وأصناف الثياب الكثيرة وعالم الموضة الصاخب؟!
فاطمة الخالد، امرأة ترعرعت ونشأت وعاشت شبابها في موطنها الأصلي المحاذي لنهر الفرات، عمرها سبعون عاماً، تعيش مع عائلتها بقرية تل أعور التابعة لبلدة كركي لكي ذات الأغلبية الفراتية، نزحت بعد طوفان النهر؛ ما زالت ترتدي الزي الرقاوي منذ كانت في الخامسة عشرة من عمرها وتفتخر به؛ حيث تقول: “فتحت عيني وأمي وجدتي ترتديان هذا اللباس”، وبحكم العادات والتقاليد آنذاك زفت لبيت زوجها به، ولا زلت إلى يومنا هذا ترتديه وتحافظ عليه.
 “الهباري غطاء الرأس”
وتفصل لنا الخالة فاطمة عن مكونات الزي الرقاوي وتفاصيله، فتقول بأنّ اللباس لدى المرأة الفراتية يبدأ من غطاء الرأس الذي يعرف بـ”الهباري” مصنوعة من الحرير، غالية الثمن، وأصبحت الآن نادرة، وشكلها مربع بألوان مختلفة، يتم لفها على الرأس، حيث كانت قديماً تأتي من العراق فتسمى بـ(هباري عراقية) ولها عدة رسومات ونقشات وألوان هباري البركان ونثر الحنة وورد الموصل وحبة العدس والحجازية، والسمسمية التي تتميز بلونها الأحمر القاني ودوائرها السوداء الصغيرة المتناثرة على ساحة الهبرية.
واسترسلت بحديثها عن الجزء الثاني من العصبة ألا وهو الوشاح (الملفع) وشكله مستطيل تستعمله المرأة الرقاوية وتلفه فوق العصبة أو حول رقبتها لتزيد من جمال عصبتها.
“التنورة – القصيرة”
 “التنورة” أو ما يسمى بـ(القصيرة – البطانة المفصولة)، عبارة عن ثوب ترتديه المرأة الرقاوية تحت لباسها؛ وعادة ما يكون قماشها من النوع البارد “الكودري أو الإسطنبولي” ويأتي فوقها “ثوب الشلاليح” وهو عبارة عن ثوب له كمان طويلان، يتم شدهما إلى الوراء وغالباً ما تكون قماشته من الحرير أو الدانتيل الخفيف، وكان هذا النوع من الأقمشة يأتي قديمًا من حلب عن طريق التجار بحسب الخالة فاطمة.
 “الصاية غطاء الظهر”
وتضيف أيضًا: يتكون الزي من “الصاية” وهي بمثابة ستار لجسم المرأة من الخلف على شكل رداء ترتديه فوق ثيابها وتكون مفتوحة من الأمام بدون أزرار، ولها جيبان عميقان على الجانبين، وتصنع الصاية من قماش الكودري.
وتابعت حديثها الشيق قائلة: “للزبنات قماش خاص بها “رش السكر، حبر ناشف، شيفون، وهي أسماء قماش تستعمل لصنع زبون المخمل المطرز” تسمى قصته بالبنايج التي تحتاج خياطاً أو خياطة ماهرة لإتقانها لكثرة تفاصيلها وأسرارها التي نميزها عن غيرها من الألبسة، وتعتبر نساء الغمر من لبيسات العرب الذي لا زلن يرتدينه ويتمسكن به (الزي الخاص بهن).
 لكن بماذا تختلف الصاية عن الزبون؟
أما الزبون فهو رداء يشبه الصاية يستعمل في أوقات البرد ويصنع من قماش أكثر جودة من الصاية، قماشه من المخمل الثقيل، وكان يتم طلبه قديماً من الخليج، حيث يكون الزبون مطرز من الخارج بألوان زاهية وجميلة يستعمل في تزيينه القيطان والبريم وخيط الخرج الشامي “الذهبي والفضي” الأصلي الذي يعتبر مكلفاً جداً؛ لأنه من الأعمال اليدوية الصعبة التي تستغرق جهداً ووقتاً ودقة وذوقاً بالعمل؛ وذلك كله بعد الانتهاء من تفصيلها وخياطتها، وتعد مكلفة جداً في هذه الأيام حيث يصل ثمن الزبون مع تخريجه لما يقارب الثلاثمئة وخمسين ألفاً. وقد طال لباس العرب بعض الإضافات العصرية، من حيث القماش والتطريزات الحديثة، ويتم ارتداء الزي بكثرة بين النساء في الأعراس والمناسبات كنوع من التراث.
 كما رأينا فإن للباس المرأة الرقاوية – الفراتية صنوفاً عديدة، لكل منها أشكاله وألوانه ووظائفه المختلفة، فهناك لباس للرأس ولباس للجذع ولباس للقدم ولباس للظهر وغير ذلك من الصنوف. ويلاحظ المتتبع للشعر الشعبي الرقي أن الشعراء كثيراً ما كانوا يتغنون بملابس المرأة، وخاصة تلك التي تضفي عليها جمالاً وأناقة.
 تراث وأصالة
عمشة العلي تزين النقوش معصميها ووجهها وتلك العصابة الأنيقة التي تزيد من وقارها تستذكر لنا تفاصيل اللباس الرقاوي الذي تخبئ مع كلّ طية من طيات هباريها ذكريات تعود بها لأرض الحوائج والزور البرية والفرات “أماكن كان يسكنها الغمر قبل نزوحهم” تقول عمشة: “صار عمري ستين عاماً ولا تزال صورة أمي وجدتي ترسم في مخيلتي كلما زرت البلاد”.
 ولعلَّ أكثر ما تغنَين به وتفاخرن باقتنائه هو “الزبون” و”الصاية”، وهما من أشهر ما ارتدته المرأة الفراتية من ألبسة الظهر، حيث تقول: “كان لأمي زبون مخرج تتسابق بنات العائلة على ارتدائه في الأفراح والمناسبات السعيدة، والمحظوظة من حظيت به”.
وأشارت بأنّ “الزبون” من أغلى ملابس المرأة على الإطلاق وأكثرها هيبة، حيث تتذكر بأنّ أمها فصلت لها زبوناً بـ/1100/ ل.س عام /1980/م، وكان هذا المبلغ لا يستهان به أبداً في ذلك الحين.
 المرأة الستينية تقول: “فصَّلت زبونين من المخمل الثمين” كان ذلك من ضمن “الزهاب” الذي اصطحبته معها لبيت زوجها، وما زالت إلى اليوم ترتدي “الزبون” في فصل الشتاء وخاصة في المناسبات والزيارات؛ فهو في نظرها ما يزال اللباس الأكثر جمالاً وحضوراً.
 أما “الصاية” فقد لبستها وهي عزباء، وخاصة في الأعراس التي كانت تقام في حيِّهم أو عند أقاربهم وأصدقاء العائلة كما قالت لنا.
عرفت المرأة منذ استيطانها في منطقة “الرقة” أشكالاً متعددة من لباس الظهر، وأول ما ظهر من هذه الأشكال هو “الزبون”، والجمع منه بلهجة أهل الرقة “زبنات”.
 أنواع القماش المستخدم بصنع الزبون في السابق
تعتبر عمشة العلي قماش “أبو رويشة” من أفضل أنواع القماش ليأتي نوع آخر يصنع منه “الزبون” ويسمى “جَزْ” وهو من الحرير الخالص، وظهر “زبون” آخر باسم “سبع ملوك” وهو خاص للزبون.
وتابعت: ظهرت “زبنات” متعددة منها ما اسمه “شيفون” و”الهندي”، لكن أهمها وأحدثها وأثمنها “الزبون” المسمى “الزَّري” وقد وصل ثمنه في مطلع الستينات من القرن العشرين حوالي /1000/ ل.س، مع تطريزه بالقصب، وهناك “زبون” الشتاء واسمه “لب الجوخ”، وقال فيه الشاعر الشعبي متغزلاً بالتي تلبسه:
“أبو زبون لب الجوخ يا بو هباري عراقي/ الحكم عايد ليدك دخيل بيض وراقي”.
فوائد الصاية
أما “الصاية” تلبسها المرأة في فصل الصيف والربيع وأول الخريف، وشكلها من حيث التفصيل يشبه “الزبون، والفرق بينهما هو أنه عندما تلبس المرأة “الصاية” يبقى طرفا جسمها مكشوفان عن الثوب، أما “الزبون” فيغطي طرفي الجسم، ويمكن زرُّه من الأمام ليصبح قطعة واحدة تغطي الجسم كله، من العنق إلى القدمين.
 “الصاية” تستر الظهر فقط، وهي لباس للعمل، وتمتاز بوزنها الخفيف. وتستطيع المرأة أن تلف طرفها الأسفل بكلّ سهولة وتضعه على ذراعها، أو تعقد طرفها السفلي على خصرها كي يساعدها على العمل والحركة، وقد ذكرت “الصاية” في كثير من الشعر الشعبي الفراتي، قال الشاعر:
“اشريلك صـاية
 وجوز مراية
خدك نجم السّهايه
طلوع الميزان“.
وتخضع “الصاية” لظروف خاصة بالمنطقة لا نزال نراها إلى يومنا هذا، كظروف البيئة والعمل، فتحمل بها المرأة ما تستطيع حمله من حشائش وثمار وخضراوات، وأهم دور كانت تقوم به “الصاية” عند المرأة “الرقاوية” آنذاك، هو حمل الأطفال الصغار، وخاصة الرضّع، فتحمل المرأة رضيعها الصغير وتتابع عملها في الحقل أو في البيت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.