سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

أربعة قناديل أضاءت سماء كردستان

إعداد/ دجوار أحمد آغا-

 التاسع عشر من حزيران 1947 يوم حزين لعموم الشعب الكردي، يوم لا يمكن نسيانه بأي شكل من الأشكال، يوم خسارة شعبنا العظيم لأربعة من خيرة أبنائه من الضباط الوطنين الشرفاء من باشور كردستان وهم: (الرائد الركن عزت عبد العزيز، الرائد مصطفى خوشناو، النقيب خير الله عبد الكريم، الملازم محمد محمود القدسي) الذين ضحوا بأرواحهم الطاهرة دون تردد دفاعاً عن قضية شعبهم العادلة. فما هي قصة هؤلاء الأبطال الكرد.
 بين أواخر الثلاثينيات وبدايات الأربعينيات من القرن الماضي، شهد العالم أجمع ومنطقة الشرق الأوسط خصوصاً تغيرات كثيرة، من أهمها الحرب العالمية الثانية (1939-1945) التي راح ضحيتها أكثر من 60 مليون إنسان وخسائر فادحة وجسيمة في البيئة والكائنات الحية الأخرى. من أهم نتائج هذه الحرب تقسيم العالم إلى معسكرين، شرقي اشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي والصين، وغربي رأسمالي بقيادة إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية؛ وهي دول التحالف التي انتصرت في الحرب على دول المحور (ألمانيا – إيطاليا – اليابان).  تميزت هذه المرحلة بظهور حركات التحرر الوطني والجمعيات الثقافية الفكرية العاملة من أجل نهضة وطنية والتخلص من الاحتلال والاستعمار والتي كانت تستمد الدعم من المعسكر الاشتراكي. لم تكن كردستان بجميع أجزائها بعيدة عن هذه الأجواء، فقامت فيها العديد من الجمعيات والنوادي الثقافية والفكرية ومنها “كومله” و”داركر” و”هيفي” وغيرها في باشور وروجهلات كردستان.
هذه الجمعيات التي تحولت فيما بعد إلى أحزاب، ومنها حزب “هيوا”. ترأس هذا الحزب الشخصية الوطنية والمثقفة المناضل رفيق حلمي الذي بادر بالاتصال بالضباط الكرد الموجودين في الجيش العراقي يدعوهم إلى الانضمام للحركة التحررية للدفاع عن مصالح شعبهم. وفي عام 1939 لبت مجموعة من الضباط الكرد الشرفاء نداء رفيق حلمي للدفاع عن شعبهم، ومن أبرزهم العقيد أمين الراوندوزي والمقدم مير حاج أحمد والمقدم بكر عبد الكريم حويزي والرائد الركن عزت عبد العزيز والرائد نوري أحمد طه والرائد مصطفى خوشناو والنقيب خير الله عبد الكريم والملازم محمد محمود القدسي والشخصية الوطنية عزيز شمزيني وغيرهم من المناضلين الأوفياء لوطنهم الأم كردستان.
لدى إعلان البيشوا القاضي محمد تأسيس جمهورية كردستان الديمقراطية في روجهلات كردستان وذلك بتاريخ 22 كانون الثاني 1946 من ساحة جارجرا (المصابيح الأربعة) في مهاباد، وبعد أن انضم الملا مصطفى البارزاني برفقة البيشمركة إلى قوات الجمهورية، التحق ضباطنا الأربعة بجيش الجمهورية حديث النشوء وكان لهم دور بارز وهام في تدريب وتقوية وتعزيز القدرة القتالية لعناصر جيش الدفاع عن الجمهورية الذي كان بمعظمه يتكون من رجال زعماء القبائل والعشائر التي أيدت قادة الجمهورية، إلى جانب البعض من الضباط الكرد الوطنين الشرفاء الذين كانوا ضمن جيش الشاه الإيراني.

 

 

 

 

 

إثر تخاذل دولي في دعم هذه الجمهورية الفتية وبسبب السياسات المبنية على مصالح الحكومات والوعود التي قدمها الشاه لقادة السوفييت الذين تخلوا عن الجمهورية وسحبوا دعمهم لها، مما اضطر قادة الجمهورية وعلى رأسهم القاضي محمد إلى القَبول بالأمر الواقع والسماح لجيش الشاه بالدخول إلى كردستان تجنباً للمجازر التي ستحدث في حال المواجهة نتيجة لعدم التكافئ في العدد والعدة.
أخبر القاضي محمد البارزاني بأنه سيسلم نفسه للسلطات الإيرانية حقناً لدماء الكرد وهو لن يتخلى عن أهالي مهاباد بل سيبقى معهم. في هذه الأثناء حدثت مناوشات واشتباكات بين البارزاني ومقاتليه مع الجيش الإيراني وغادر مهاباد متوجهاً إلى الاتحاد السوفيتي. أما الضباط الكرد الذين قدموا من باشور كردستان فقد صدقوا الوعود التي قدمتها الحكومة العراقية بإصدار العفو العام عنهم بعد أن كانت قد أصدرت سابقاً أحكاماً غيابية بالإعدام بحقهم، وما إن عادوا حتى قاموا بتسليم أنفسهم للسلطات العراقية التي بالفعل أصدرت أول الأمر عفواً عاماً عنهم، لكنها عادت فيما بعد ونكثت بوعدها وبادرت لاعتقال الضباط الأربعة وقررت إعادت محاكمتهم من جديد حيث أصدرت أحكام الإعدام بحق الضباط الأربعة والذي تم تنفيذه يوم 19 حزيران 1947.
العدو واحد؛ عقلية واحدة ترفض وجود الكرد وتقتل وتعدم وتشنق الكرد لسبب واحد فقط ألا وهو كونهم كرداً، الأنظمة الغاصبة والمحتلة لكردستان مهما بلغت خلافاتها فيما بينها إلا أنه عندما يتعلق الأمر بالكرد فإنها تضع هذه الخلافات جانباً وتتفق على الكرد، والأمثلة كثيرة لا تُعد ولا تُحصى حتى في زمننا الراهن الذي نعيشه. لكن ما يحز في النفس هو في نسيان الجرائم والإبادات التي ارتكبتها هذه الانظمة بحق خيرة أبنائنا وبناتنا أمثال هؤلاء الضباط الأحرار وليلى قاسم وعلي شير ومؤخراً هفرين خلف وبارين كوباني وعكيد آمد.. والقائمة تطول. لدى استقبال جنازة شهيدين من الضباط الأربعة عند مدخل السليمانية ألقى الشاعر الكبير فائق بيكس قصيدة جاء في مطلعها:
“إنها أمة شجاعة
وحتماً ستعيش حرة كريمة
فاذ يتقدم الشباب
في طريق الاستقلال 
مبتسمين
نحو أعواد المشانق
فهذه الأمة خالدة
ولن تموت”. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.