سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

وقفات عند دراما البيئة الشامية (مشاهد العزاء والفرح نموذجاً)

عبد الوهاب بيراني-

لن أتوقف عند بنية الإنتاج، وجَودة السيناريو، وأهمية العمل الفني، والمستويات الفنية الجمالية، أو المعرفية.
بداية، الدراما التلفزيونية منذ نشأتها وبداياتها وخلال السبعين عاماً من عمرها تنوعت مشاربها واتجاهاتها ومراميها، واختلفت مدارسها، وأصولها الفنية، ورؤاها الإخراجية، شاهدنا وتابعنا المسلسلات التاريخية (الدينية) وسير الأنبياء والخلفاء، والعلماء والأئمة، والجبارين والقتلة.
شاهدنا الروم والفرس والمماليك والمغول والتتار، والحملات الصليبية والعثمانيين والأوربيين، وشاهدنا الملوك والأبطال والغزاة. تاريخ لا شائبة فيه، رجاله حكماء، ونساؤه جميلات فاتنات حكيمات، الدراما قدمت لنا فصحاء وفصيحات، وكرماء وكريمات، وشعراء وأدباء. قدمت كل انتصارات التاريخ.. إزاء الهزائم والخيبات، والنوم في العسل..
الدراما كانت نحلة برية حامت في حقول التاريخ والواقع الرمادي، فأنتجت عسلاً مراً، المتابع أو المشاهد ما زال مجبراً على تناوله، وبغصة شديدة..
لم تستطع جرعات الكوميديا المبتذلة، وخلال سبعين سنة، أن تنسي المشاهد همه وجوعه، لم تستطع الشاشة أن ترتقي وتتحول إلى مرآة تعكس واقع المتلقي المسكين الذي سلم كل لبه لحكايات تتكرر.. وتتكرر.
صور العزاء والفرح في الدراما الشامية
بيت عربي واسع، موزعو القهوة وقارئ القرآن و”عضوات” الحارة ودراويشها في صف آخر، لا دموع، كل الحكومة وبابوات الكنيسة وأئمة الجوامع وكل طوائف المدينة، وإيماءات ونظرات متبادلة بين الأبناء أو أبناء العمومة.
في المكان الآخر؛ نساء مترفات يرفلن في فساتين سوداء طويلة نظيفة وبملاءات بيضاء، والنساء بكامل مكياجهن، يذرفن دموعاً بخيلة، وتعود الحياة إلى مجاريها في اللقطة التالية.
وربما نشاهد مناظر لجنازة يمشي فيها كل أهل الحي، والنساء على الشرفات والنوافذ الدمشقية ينثرن الرز والورد.
أما العرس في البيئة الشامية درامياً:
حمام السوق والدربكة والغناء ومناظر رجال عراة في حمام السوق، كروش مندلقة وأثداء مقززة وبطات أرجلهم وظهورهم “المشعرة”، ويسكبون الماء الحار على أجسادهم تلك، وهو منظر لا يخلو منه مسلسل واحد وبات من التقاليد الدرامية غير المستحبة.
ولا ننسى وجود المخفر وشيخ الجامع والعوايني واللص والشهم الذي “تنمسح كرامتو بالأرض” والكل يعلم أن الحلقة الأخيرة ستعيد لكل ذي حق حقه!.
عرس النساء
رقصات خجولة وأغنية يتيمة “قضامة مغبرة”؛ وصبايا يرسمن حركة وحيدة و”يفتلن” ببلادة. وسط دهشة الحضور بأدائهن الرائع، ولم أفهم إلى يومي هذا ماذا تدل تلك الحركة التي ترسم زاوية بمقدار 90 درجة.. “عن رقصة ستي أتحدث”. التي تذكرني بالتحية التي كان يتبادلها أعضاء حزب سوري عريق، ربما بات المشاهد يطلق عليها رقصة ستي، ويعود المشاهد يصرخ “مابدي… مابدي إلا حلق الألماس” ويأتي الصوت من رجل كهل “ألماس ..!! لا خلينا عالقضامة”، والصبايا يزغردن “عالصالحية يا صالحة” وينتهي المشهد بصباح دمشقي لم نره إلا في الدراما.
آن للدراما الشامية اليوم أن تتعامل بواقعية وعقلانية مع المشاهد والحدث والوقت، فالمشاهد لم يعد ذاك الذي يبحث فقط عن جرعة ضحك أمام غوار، وحمامه وفندقه، ومقالبه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.