No Result
View All Result
محمد عاطف (كاتب وشاعر من مصر)-
في ليالي الصيف الجميلة ومع حلول الإجازة الصيفية، يَمُرُّ عليَّ من حينٍ إلى آخر، ويَكاد يَكون بِصفه شِبه ليلية، الشيخ محمد والذي كان عِندما يُجالسني يصعد الأريكة مُتربعاً بقَدَميه واضعاً إِحداهما على الأُخرى، ويُخرِج من جَيب جِلبابه عُلبة من المَعدن بها ثُلث الدُخان ويأخذ في لَفّ سِيجارته، وكانت له طُقوس في لَفّ الدُّخان حيثُ يُخرج دفتر “البَافرة” ويأخُذ ورقة ويضع عليها بعضاً من التبغ ثم يبدأ في اللف ثم يُنقصُ بَعضه، ويَلفّ إلى أن تستوي السِيجارة رَفيعة وَمَمشُوقة ويَلحِمها بعد ترطيب طرفها بلسِانه فتخرج مِثل السجائر الجاهزة، ثم يبدأ في لَملَمة ما تناثر من الدُخان من حِجر جِلبابه، وهو في تلك الأثناء يتكلم ويَحكي بعض النوادر ثم يَسألُني أين (جريدة الأهرام) فأُعطيهِ إِياها ليتصفحها بدءًا بالصفحة الأخيرة، يقرأ صَفحة الوَفَيَات ثم يبدأ في تَقليِب الصفحات، في تلك الأثناء أَقُومُ أنا على إِعداد الشاي أو القهوة وإحضار الشِيشة (النارجيلة) وإِشعَال الفَحم، وإحضار طَبق من الفَاكهة إن كَان مُتوفراً.
الشيخ محمد الأعصر الذي كان يعمل مُعلماً بالأزهر الشريف، لم يَتخلّ عن مَلابسه بالزِّي الأزهري الشَهير مُرتدياً إياهُ مُتأنقاً في مَلبسه، قد كان حَكّاءً بارعاً بل وساخراً أيضاً، يتمتع بِخفة ظِلّ غَير عَادية، حَاضر الذِهن ومُثقفاً، وكُنت عِندما أنتهي من إِعداد لُزومِيَات ما يَلزم الجلسة أقول له اطو “الجورنال” يا مولانا وخذهُ معك كي تُكمل قِراءته بالمنزل.
ثم أقوم بدوري أحياناً بِعَرض ما أكتبه من أشعار عليه، وأحياناً كان هو الذي يقول سَمعنا آخر حاجه /يا سيدنا/، فكان يَستحسِن أحياناً ويُعلق أحياناً أُخرى ناقداً أو ساخراً، وفي كل الأَحوال كان مُشجعاً إياي ويقول استمر، وفي ذات مرة قُلت له يا مَولانا إنني أعرض ما أكتُب على البَعض، فَمنهم مَن يُشجع، ومنهم من يقول لا داعي للتَغّزُل بالمرأة، فقال يا سَيدنا الذي يقول ذلك شَخص لا يَغوى ولا يَهوىَ ولا يتذوق الشِّعر، فالشاعر بطبيعته هَائماً تَتمَلكه حَالة مِن الهُيام والخَيال الخِصب ويقول ما لا يفعل بالطبع، ثم يبتسم ابتسامة لا تَخلو من مَغزىً ويقول على لِسان أخينا (العَندليِب الأسمر) قال الشاعر:
“أبنيِلكْ قَصر عَالي، وأخطف نِجم الليالي” فهل هو فعل ذلك؟! بالطبع لا؛ ولم ولن يَفعل. ثُم إن الشاعر “كَعب بن زُهير” الذي مدح الرسول وفى حضرته “ص” قال:
(بانَت سُعادُ فَقلبي اليومَ متبولُ مُتَيَّمُ إِثرها لم يُجزَ مَكبول) وسَمِعهُ الرسول ولم ينهه، وخُد عندك “البوصيري” فى بُردَتهِ مَديح الرسول “ص” بدأ بالغَزل حتى قَوله: (يا لائِمِي في الهَوَى العُذْرِيِّ مَعْذِرَةً مِنِّى إليكَ ولو أَنْصَفْتَ لَمْ تَلُمِ).
فلا تَلتَفِت لمن لا يُقدّر مَعنىً أو يَطرب لِحَرفٍ!! فَقُلت له وما رأيك فيما أَكتبه من همسات في الحُب فقال تَكتُب كَلاماً جَميلاً له مَعنى وأحاسيس دَافئة وصور بَلاَغِية تَلمِس شِغاف القَلب يا وَلَد (وهو رَافع حَاجِبَيهِ).
وبعدين إللي مِش عَاجبه؛ وَأشارَ بيديه يميناً ويساراً وهَزّ رّأسَهُ يا ترى هُمّا شَايفِينك كاتب لهم (عاشقه وغلبانة والنبي).
لحظتها كان كُوب الشَاي على فَمي فَـ “شَرقت” من الضِحك الذي انتابتني معه كُحة شديدة… رَحمةُ الله تَعالىّ وبَركاتهُ عَليكَ شيخنا /محمد الأعصر/ فلقد افتَقدتُك.
No Result
View All Result