No Result
View All Result
محمد عاطف (كاتب وشاعر مصري)-
كان فلاحاً بسيطاً يَعرف مبادئ القراءة والكتابة من تعليم كتّاب القرية، وكان يمتلك خِفة ظِل وذكاء عِلاوة على كَونهِ حَكّاءً مُمتعاً وراوياً بارعاً من الطِراز الأول، وقد كُنا لا نَشبَع من حِكَاياته وقِصصه التي كان يرويها لنا والتي لا تَخلو من المُبالغة، ودائماً ما كان يأخذ في حكاياته أَدوار البُطولة المطلقة، فلقد كُنا حِينئذٍ صِبيةً صِغاراً نَلتَفُّ حولَ هذا الرجل الأسطورة بالنسبة لنا والماتع أيضاً كي نستمتع بِرواياته، حيث لم تكن الكَهرباء قد وصلت البيوت وقتذاك، ولا أجهزة التِلفاز بالطبع موجودة، ما خلا الراديو الذي كان يعمل بالحجارة التورش، فقد كانت مُعظم حِكَاياته تَدُور حول أيام كان يقوم بتأدية الواجب العسكري بالقوات المُسلحة المِصرية كما كان يُسميه، ولقد رَوى لنا أنه مَكث لمدة سِت سنوات كاملة بالخدمة، حيث أنه تم تجنيده أيام حرب الاستنزاف فَمَكث حتى اندلاع حرب أكتوبر المجيدة سنة ١٩٧٣ وقد شارك بها أيضاً، أبو صالح أخبَرنا أنه كان يَخدِم بِسلاح الطيران، وعَرِفنا منه أَنواع الطائرات من الفانتوم والنفاثة والميغ والمِيراج والسكاي هُوك والهِليوكُوبتر، وكان يشرح لنا الفرق بين تلك الأخيرة وباقي الطائرات، فكان يقول الهِليوكُوبتر طيارة مروحية وتُقْلِع عمودياً، فنسأل باندهاش ما معنى عمودياً يا عم أبو صالح فيقول مُنتشياً بعد أن يَتكئ في جِلسته وينفُث دُخان سِيجارته بالهواء ثم يُدير السِيجارة بين أصابعه مُحركاً إيِّاها يَميناً ويَساراً ناظراً إليها بإحدى عينية ثم يَكُح ويَسعل، شوف يابني مِنكْ لُه الإقلاع العمودي معناه لأعلى مباشرةً لأن الطيارة لا تَسير على مَدرج المطار (أرضية المطار يعني) كما كان يُفهمنا ولكنها بواسطة المراوح والتي ترفعها لأعلى ومن ثَمَّ تَطير، فلقد أفهمنا أنه يعرف جميع أنواع الطائرات ويخاف على عقولنا لكي لا تَشِتّ لأنه حَفظ الطيارات واحدة واحدة وقام بتفكيكها حتة حتة ثم جمعها مرة أخرى!.
ولقد كان أيضاً مِظلياً بارعاً من الدرجة الأولى، كما رَوى لنا وأخبرنَا، فِعندما كان بأرض التدريب بقاعدة بلبيس للتدريب على “إِبرار جَوي” يعنى القَفز من الطائرة بالمِظلة، فلم يكن يَفتح المِظلة ويهبط على الأرض قبل قيامه بجوله في السماء، فينتقل من مَوقع التدريب إلى القاهرة ويقف بالسماء أعلى العمارة التي كان يسكن فيها أخوه الكبير في حي المَطرية بالقاهرة، ثم يُلقي على تِلكَ العِمارة رسالة وهي خِطاب مَكتوب باليد يُخبر أخاه فيه بأنه بِخير ويُطمئن جمَاعتهم بالبلدة عليه ويُوصِل سَلامه لِجميع الأهل والأحباب وكذا الأقارب والجِيران فرداً فرداً، ثم يَعود أدراجه إلى أرض التدريب ويهبط بالمظلة بسلامة الله تعالى أمام اندهاش القادة الذين كانوا ما زالوا جالسين بانتظار أبو صالح!.
ذات مَرة روى لنا أبو صالح أنه في أثناء حرب أكتوبر قام بِأَسر جُندي إسرائيلي ثم قام بتكتيفه بالحِبال، وحَمله على كتفة مسافة اثنين كيلو متر، وقام بتسليمه لقائد الكتيبة المصرية وتم تكريمه على هذا العمل، وحصل على نِيشان وشِهادة تقدير، أبو صالح كان يَحكى ويندمج في حِكاياته ونَحنُ له مَشدُوهين مُندَهشين، فلقد كان يَملك خَيالاً فَسيحاً وكُنا نَستمتع بحكاياته، وعندما كَبِرنَا عَلمنَا فيما بعد من أَهَالينَا أن عَم أبو صَالح لم يُؤدِّ الخِدمة العَسكرية من الأساس!. لأنه عندما تقدم لتأدية الخدمة العسكرية حصلَ على إعفاء نهائي من الخدمة لأنه كان غَير لائق طِبياً… عليه رحمة الله تعالى.
من سلسلة “ذكريات”
No Result
View All Result