No Result
View All Result
إعداد/ مثنى المحمود-
تعد الموسيقا واحدًا من أبرز الأوجه الثقافية للمجتمعات، وهي تؤثر وتتأثر بتطوّر هذه المجتمعات وتغيرها. وللموسيقا أنواع ومستويات عميقة، فما هي مراحل تطوّر الموسيقا العربية عبر التاريخ؟ وكيف تأثرت هذه الموسيقا بالأحداث التاريخية من جهة، وبالتبادل الثقافي مع مختلف البقع الجغرافية في العالم من جهة أخرى؟
تعريف الموسيقا العربية
يمكن تعريف الموسيقا العربية عمليًا بكل بساطة بالموسيقا المنتشرة في المناطق الناطقة باللغة العربية حالياً، بدءاً بشبه الجزيرة العربية وصولاً إلى الخليج مرورًا ببلاد الشام وصولًا إلى المغرب العربي. لكن تعريف الموسيقا العربية يتخذ مفهومًا مختلفًا في بعديه التاريخي والتقني.
تاريخيًا، يُقصد بالموسيقا العربية الموسيقا التي نشأت في شبه الجزيرة العربية في فترة ما قبل الإسلام، والتي تطوّرت خلال انتشار الإسلام، وكانت مدارسها مركزة في مكة المكرمة والمدينة المنورة في القرنين السابع والثامن، ومن ثم في بغداد وقرطبة بعد توسع الدولة الإسلامية. وبعد القرن الثالث عشر حتى اليوم، أصبحت منتشرة في مختلف مناطق الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا.
من الناحية الموسيقية التقنية، تتميز الموسيقا العربية بأنظمتها النغمية وتقسيماتها الإيقاعية وآلاتها الموسيقية، لذلك تشمل الموسيقا التركية والفارسية أحيانًا معها كونها تحمل طابعًا شرقيًا مشتركًا.
المراحل التاريخية لتطوّر الموسيقا العربية
تتجذّر أصول الموسيقا العربية، بحسب غالبية المؤرخين، في شعر الجاهلية الذي كان منتشرًا بين القرنين الخامس والسابع بعد الميلاد، بحيث كان الشعراء يلقون الشعر بمرافقة إيقاع بواسطة الطبل، ونغمة بواسطة آلة العود. وكانت حينئذٍ تُعطى النساء ذوات الأصوات الجميلة والمميزة وظيفة حفظ الشعر وغنائه بحسب الأوزان الشعرية، إلى جانب تعلّم العزف على آلة موسيقية كالعود والطبل والربابة وغيرها.
في فترة انتشار الدين الإسلامي في القرن التاسع، ترجم الفيلسوف العربي “أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي” المبادئ والقوانين الموسيقية الإغريقية، وأضاف نظريات موسيقية جديدة، ونشر خمسة عشر مقالًا حول الموسيقا. في أحد مقالاته استخدم كلمة “موسيقا” للمرة الأولى في اللغة العربية، من ثم استُخدمت هذه الكلمة في اللغات الفارسية والتركية والإنكليزية وغيرها من اللغات. بين القرنين التاسع والعاشر، نُشرت للمرة الأولى موسوعة تجمع القصائد والموسيقا. كما نشر “أبو نصر الفارابي” كتابه بعنوان “كتاب الموسيقا الكبير”، الذي يوثّق فيه المقامات الموسيقية العربية التي ما زالت مستخدمة حتى اليوم.
بعد توسّع الدولة الإسلامية، تحوّلت الأندلس في القرن الحادي عشر إلى مركز لتصنيع الآلات الموسيقية، التي سرعان ما انتشرت في باقي القارة الأوروبية. وفي القرن الثالث عشر، كان الموسيقي العربي “صفي الدين الأُرموي” أول من ضبط طريقة تدوين الأنغام وتقسيم الإيقاعات، والتي لم تُعتمد في العالم الغربي حتى القرن العشرين.
الموسيقا في السلطنة العثمانية وما بعدها
مع تأسيس الدولة العثمانية وتوسّعها فيما بعد، تفاعلت الموسيقا العربية مع الكثير من الثقافات الموسيقية المختلفة، من الموسيقا التركية إلى الموسيقا الفارسية والبيزنطية والأرمنية وغيرها. وتطوّرت في تلك الفترة الموسيقا وتعدّدت الآلات الموسيقية المستخدمة، كما تعلم الرجال العزف على الآلات الموسيقية كالعود والقانون والناي.
بعد احتلال نابوليون لمصر، نقل العديد من العادات الموسيقية العربية والعثمانية لأوروبا، فانتقل استخدام الآلات الموسيقية المعتمدة في الفرق العثمانية العسكرية (كالبيكولو والسيمبال) إلى الفرق الأوركسترالية الموسيقية الأوروبية.
في القرن العشرين كانت مصر أولى الدول العربية التي تشهد صعود مفهوم القومية، ممّا ساهم بخلق تيار موسيقي وطني منفرد، وتحوّلت القاهرة إلى مركز للإبداع الموسيقي. وقد كانت “أم كلثوم” في مصر إحدى أبرز وجوه التيار الموسيقي الجديد، تبعتها “فيروز” في لبنان.
بدأت الموسيقا العربية بالتأثر بالتيارات الموسيقية الغربية في الخمسينات والستينات، ممّا سمح باستخدام الآلات والإيقاعات الموسيقية الغربية، كما فتح المجال لنشوء العديد من الأنواع الموسيقية العربية كالبوب والروك والجاز والراب والهيب هوب والإلكترونيك غيرها.
اليوم، تُعد الموسيقا العربية من أكثر الثقافات غنىً وتنوّعاً، إذ تختلف الموسيقا من منطقة عربية إلى أخرى، ومن دولة إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى ضمن البلد الواحد. ضف على ذلك تأثر الموسيقا العربية بالأنماط الغربية؛ مما زاد من تنوعها وغناها.
No Result
View All Result