أحمد اليوسف-
إنّ مشروع الأمة الديمقراطية يقوم على مبدأ أساسي وهو مبدأ النقد والنقد الذاتي، هذا المبدأ الذي يكون بمعزل عن ثقافة التغاضي بحجة العيب، لأنّ الهدف هو البناء والتقدم، وإصلاح الأخطاء بغض النظر عمّن يكون مرتكبها، فالجميع سواسية تحت طائلة النقد البنّاء.
ولكن الكثير من أفراد المجتمع يمتنعون من تقديم النقد بحجة العيب، ويتغاضى عن جاره وعن صديقه وعن قريبه إن كان على خطأ بهذه الحجة، وبالتالي يتركه على خطئه، الذي يسهم في تدمير المجتمع أحياناً.
إنّ مصطلح العيب من أهم مفرداتِ العادات والتقاليد، وهو يعبّر عن مستوىً متدنٍ لا يجب على الإنسان أن يفعل ما يوصله له، وتختلف ثقافة العيب من مجتمع لآخر، وهي قوية دائمة على الرغم من نقضها أحياناً منطقياً أو شرعياً، فمثلاً يرى الشاب الذي يعيش في مجتمع عربي كالسعودية مثلاً أنه من العيب أن يعمل في مهنة حرفية، وذلك لاعتبار هذه المهنة اجتماعياً غير لائقة، وبالتالي لكي يرفع من مستواه التقديري في المجتمع فهو يرفضها، ومن الممكن أن يبقى عاطلاً عن العمل، وهذا منطقياً هو العيب بحد ذاتهِ وهو أن تكون عاطلاً عن العمل بسبب هذه الحجة.
وبعد مرور أزمنة على عيش المجتمعات الإنسانية على الأرض حاول بعض الفلاسفة دراسة هذه المجتمعات وكيف أنشأت وسيرت نفسها طوال هذه الفترة، فوضع بعض الفلاسفة نظريات مثل نظريات العقد الاجتماعي، وكانوا ثلاثة، كل منهم وضع نظريته في تطور المجتمع وتأسيسه واستمراره وطبيعة سيره. ومن ضمن هذه المجتمعات التي عاشت على الأرض أشكال وأنواع كثيرة، منها المجتمعات القبلية أو الزراعية أو الدينية أو المدنية… إلخ.
إنّ كل مجتمع من هذه المجتمعات له قيمه وعاداته وتقاليده أو تشريعاته أو قوانينه التي تحكمه وتحافظ على سيره وتشكل العلاقات بين أفراده. تستقي هذه المجتمعات تعاليمها التي تسير وفقها من عدة مناهل، بعضها التجربة الاجتماعية للمجتمع، بحيث يضع لنفسه قوانين وضعية، وبعضها الآخر مستقاة من الأديان السماوية، أو من مجتمع آخر أقوى يضع قوانين ويفرضها على الأضعف، أو طبيعة الحياة التي تفرض أساليب تضمن البقاء. وخلال تطور المجتمعات ظهرت مصطلحات كالعادات والتقاليد تفيد بنظام اجتماعي داخلي غير محكوم بقانون معين أو شريعة، إنما يحكمه تعامل الأفراد فيما بينهم. يشكل مصطلح العادات والتقاليد دلالة مجازية على قيم المجتمع ومعيار الصواب والخطأ أو التفاعل، ثم يتم توارث هذه القيم من جيل إلى جيل، حتى ولو كان المجتمع محكوماً بقانون صارم مدني أو شرعي.
لدرجة أن القوانين الشرعية في بعض المجتمعات وعلى الرغم من صرامِتها من حيث وضعها للصواب والخطأ ضمن معيار الحرام والحلال، إلا أنها أحياناً تقف عاجزة أمام تصلّب بعض شرائح المجتمع لإحدى عاداته التي توارَثها عبر الزمن، حتى ولو كانت هذه العادة مخالفة للشريعة. وعادةً ما تكمن الصعوبة في فرض قانون مدني أو شرعي داخل المجتمعات القبلية أو التي تعود لأصول مجتمعات عاشت حياة البداوة، وذلك يعود لصعوبة العيش التي واجهته هذه المجتمعات سابقا فطوّرت مفاهيمها ضمن أطر صعبة أيضاً.
علينا أن نتخلص من هذه الثقافة لأنها في الواقع هدّامة وتسهم في إضعاف المجتمع، فالنقد لا يعني أنك تلغي الأشخاص بل توجههم إلى الصواب.