سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

أطفال القمامة ـ1ـ

 كوثر مارديني-

أعتذر عن العنوان لربما يكون قاسياً، ولكنني لم أجد عنواناً مناسباً لهذه الحالة سواه. فمنذ عشرات الأعوام؛ انتشرت هذه الظاهرة أو “مهنة” نستطيع أن نسميها في مجتمعنا، وهي ظاهرة البحث في القمامة، الضحية المباشرة لهذا العمل هم النساء والأطفال وخاصة وبكل أسف شريحة الأطفال، فتراهم منذ ساعات الصباح الأولى صيفاً وشتاءً لا يأبهون بالبرد أو الحر يحملون أكياسهم الكبيرة على ظهورهم الصغيرة، ويستأجرون السيارات لنقلهم إلى وسط المدينة، ويتوجهون فور وصولهم إلى حاويات القمامة وأكياسها الموضوعة في المنظمات، أو أطراف الأرصفة منتظرة عمال النظافة لحملها.
وينبشون بها ويخرجونها من الحاويات ويفرشونها في الشوارع والأرصفة دون خوف أو رادع، وذلك لجمع كل ما له قيمة من حديد أو نحاس أو ألمنيوم أو بلاستيك أو بعض العلب، الغرض الاستفادة منها على المستوى الشخصي واستعمالها أو لبيعها، وأحياناً نراهم يأكلون ما يجدونه قابلاً للأكل من القمامة دون خوف من المرض أو الأوساخ، ويجلسون بين تلك القمامة ويبدؤون عملية البحث حتى أصبحوا جزءاً من المشهد اليومي الذي ألفناه.
بأياديهم المتشققة التي تصبغت بالسواد لشدة تراكم الأوساخ عليها، ووجوههم الباعثة على البؤس والمبقعة من تلوثها والتي لم ترَ رشة ماء عليها لربما لشهر مضى، وثيابهم التي تصبغت بكل أنواع القمامة والتي تكاد تستر أجسامهم الصغيرة.
 ولا تهمهم الروائح الكريهة المنبعثة ومناظر القمامة لأن أهلهم دربوهم على ذلك منذ أن تفتحت عيونهم على الدنيا، فاعتادوا عليها وألغوها بالرغم من أنهم الأكثر عرضة لأمراض كثيرة، كالتسمم المعوي والأمراض الجلدية وأمراض الجهاز التنفسي، ولا يهتمون لذلك لأنهم لا يدركون.. إن المذنب الأول في هذه المخاطرة في هذا العمل هم الأهل الذي علموا أطفالهم هذه المهنة الخطرة التي لا يجوز للأطفال القيام بها، بالإضافة إلى أن هؤلاء الأطفال يتعرضون للإهانة والعنف والإهمال من المجتمع.
 لذلك نراهم شرسين في تعاملهم مع الناس، وبعد الانتهاء من نبش القمامة يقومون بالتسول في الشوارع المكتظة بالمارة، وعند المطاعم ومحلات بيع المواد الغذائية والحلويات، ويقفون أمام كل من دخل وخرج من المحل ولا يتركونه إلا بعد أن يعطيهم شيئاً من المال، أو حتى سيجارة واحدة حسب طلبهم، وهم لا يتجاوزون الثماني أو التسع سنوات من عمرهم، ومن يرفض إعطاءهم ما يريدونه يقومون بشتمه أو برميه بشيء من القمامة…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.