سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الصحافة الكردية… ثورة على الاستبداد وعين على الحقيقة

قامشلو/ عبد الرحمن محمد ـ

كان الإعلام ولا يزال يحتل المراتب الأولى من حيث التأثير في التوجه العام للشعوب وخلق رأي عام، ورسم ملامح للثقافة العامة والرسمية، وبات الإعلام بكافة سبله وأشكاله الموجه والبوصلة التي تدير دفة الآراء والتوجهات عامة، ولا ننسى أن الصحافة – والورقية منها بخاصة – كانت الأب الروحي للإعلام.
أما فيما يخص الإعلام والصحافة الكردية فقد اعتبر العقد الأخير من القرن التاسع عشر عقد مخاض الصحافة الكردية التي تجلت بصدور العدد الأول من جريدة كردستان في الثاني والعشرين من نيسان عام 1898 في مصر التي كانت قبلة الكثير من الباحثين عن العلم والمعرفة من جهة؛ والساعين إلى الحصول على هامش أوفر من الحرية والتطلعات الفكرية والثقافية، وكانت انطلاقة جريدة كردستان واحدة من عشرات المنابر والهياكل الثقافية والمعرفية كجريدة الأهرام ومجلة الهلال على يد الأخوين “سليم وبشارة تقلا” اللذين تبنيا إصدار العدد الأول من “كردستان”.
لماذا القاهرة؟
كان لاختيار مقداد مدحت باشا للقاهرة منطلقاً لجريدته “كردستان” أسباب وجيهة، فقد كانت السلطات العثمانية تضيق الخناق على الكرد عموماً والعائلة البدرخانية خصوصاً، لما كانت تحمله من حس وطني وفكر تنويري، وكانت مصر بالإضافة إلى ما تتمتع به من هامش من الحرية قد شهدت انطلاق صحف عديدة أخرى مشابهة وكانت القاهرة ملاذا آمنًا لعشرات الجاليات الأوروبية، وعلى رأسها اليونانية والإيطالية والأرمن والكرد وغيرهم، فكانت جريدة كردستان مثالاً لصحافة المنفى والتي كانت ضربة موجعة وصفعة بوجه الاستبداد العثماني، وعبر تلك “الجريدة” تحول النضال الكردي من نضال مسلح فقط إلى نضال سياسي معرفي متقدم عبر التنظيم والتقدم الفكري والثقافي والمعرفي وإيصال صوت الكرد للعالم أجمع.
وكذلك كانت هناك أسباب هامة أخرى دفعت مقداد بدرخان إلى اختيار القاهرة لإصدار جريدته، ومنها:
1ـ كانت مصر في تلك الفترة شبه مستقلة أو بعبارة أخرى كانت مرتبطة بالدولة العثمانية اسمياً.
2ـ الاستفادة من الصراع بين مؤيدين للحكومة العثمانية والمعارضين لها وخاصة أولئك الذين كانوا قد درسوا في الجامعات الغربية وتأثروا بالحضارة الغربية.
3ـ الأصول الكردية لمحمد علي باشا والوجود الكردي في مصر وثقل الكرد في الحياة الاجتماعية منذ العهد الأيوبي ومساهمتهم في الساحة الفكرية والثقافية والنهضة المصرية.
4ـ وجود الكثير من المثقفين والمتنورين والعديد من الشخصيات ذات الثقل في الحياة الفكرية والثقافية والحركة التنويرية من الكرد وغيرهم في مصر.
5ـ وجود الطباعة المتطورة في مصر وخاصة في القاهرة.
 إطلالة تاريخية على الإعلام والصحافة الكردية
 في بعض التفاصيل والتواريخ الهامة يمكننا أن نرصد بعض الأرقام والتواريخ الهامة، ومنها:
1ـ صدرت جريدة كردستان في القاهرة، يوم 22 نيسان 1898 وصدرت أعدادها من العدد 1- 5 في القاهرة، ومن العدد 6- 19 صدرت في جنيف، ولقد قام بتحريرها عبد الرحمن بك بدرخان، ومن العدد 20- 23 صدرت ثانيةً في القاهرة، أشرف على تحريرها ثريا بدرخان، والعدد 24 صدر في لندن، ومن العدد 25 – 29 صدرت في مدينة فولكستون جنوب إنكلترا، والعددان 30- 31 صدرا في جنيف. ولقد احتجبت بعد 14 نيسان 1902م – 6/ محرم/1320هـ. وعدد صفحاتها أربع صفحات، وطبعت في القاهرة في مطبعة الهلال وكانت أعدادها الصادرة ستة.
2ـ صحيفة روزا كرد – يوم الكرد roja kurd والتي أصدرتها جمعية هيوى في إسطنبول وأصدرها عبد الكريم أفندي.
3ـ صحيفة زين – الحياة 1919 والتي صدرت في إسطنبول وأصدرها حمزة وممدوح سليم وكمال فوزي، وكان هدفها تحقيق مبدأ كردستان للكرد.
4ـ في اقليم كردستان صدرت العشرات من الصحف منها صحيفة بيشكه وتن – التقدم pêşketin، وهي أول صحيفة كردية ظهرت في السليمانية. وبانكي كردستان، روز كردستان، بانكي حق، آمدي استقلال، دياري كردستان، زيان، بانكي كردستان، زاري كرمانجي، وغيرها.
5ـ في روج آفا صدر العدد الأول من مجلة هاوار لجلادت بدرخان، ومجلة روناهي – النور- 1/4/1943م أصدرها الأمير جلادت بدرخان في دمشق باللغة الكردية، والعدد الأخير كان في شهر آذار1945م صدر 28 عدد منها. مجلة روزانو – اليوم الجديد – 3 أيار 1943م، أصدرها الدكتور كاميران بدرخان أخو الأمير جلادت في بيروت، صدرت باللغتين الكردية والفرنسية.
6ـأول بث لقناة فضائية كردية كان لقناة (مد تي في MED TV) في أيار 1994 من بروكسل، أما أولى المطابع الكردية فكانت في حلب عام 1915.
في روج آفا أيضا صدرت صحيفة روناهي ومنذ 16-10-2011 باللغتين العربية والكردية وصدرت بشكل أسبوعي ثم تحولت إلى صحيفة يومية منذ عام 2018.
أما أول صحيفة كردية يومية فكانت صحيفة “آزاديا ولات  “Azadiya welatفقد صدرت عام 1996 بشكل أسبوعي ومن ثم صدرت بشكل يومي منذ عام 2016.
 رسالة ومعنى
في العدد الأول من جريدة كردستان وفي ملحق العدد باللغة الفرنسية كتب مقداد مدحت بدرخان: “أصدرت هذه الجريدة وقد وضعت نصب عيني هدف ترسيخ الاهتمام والحب في نفوس أبناء قومي إزاء التعليم ولأمنح الشعب فرصة التعرف على حضارة العصر وتقدمه، وكذلك على أدبه، حيث أنا في مصر أريد أن أرى في كردستان النظام ولا أبغي من صدور هذه الجريدة سوى خدمة مصالح شعبي وسعادته، ورفع المستوى الثقافي لبني جلدتي”.
كانت تلك رسالة مقداد بدرخان إلى أبناء الكرد والعالم يعلمهم فيها رسالته وغايته، وهي ولا شك رساله هامة تحمل في طياتها الكثير من الدروس والعبر، فاختيار مصر لم يكن اعتباطياً لتكون بداية انطلاق تلك الجريدة التي عُدت فيما بعد نواة الصحافة والإعلام الكردي، والكل يعلم أنها كنت صفعة للاستبداد العثماني آنذاك،  واليوم باتت المهمة أكبر في ظل الدور الكبير والريادي للإعلام، وفي وقت أصبح الكرد في أجزاء كردستان  وفي العالم قاطبة يملكون وسائل وأدوات ومنصات إعلامية تناط بها الكثير من المهام وعلى عاتقها يقع الكثير من العبء، فقد كان للصحافة على مدى ما يقارب القرن وربع القرن دور بارز في إيصال صوت الكرد للعالم أجمع وإيصال صور من بطولاتهم ونضالهم وحقيقة وجودهم والدفاع عن هذا الوجود وبخاصة بعد انطلاق ثورة روج آفا والتصدي لشتى صنوف الارتزاق والإرهاب والاحتلال المتمثل بالاحتلال التركي ومرتزقة داعش والموالين لهم ممن اختاروا الارتزاق والمصالح الضيقة هدفاً لحياتهم.
الصحافة الكردية كما كانت في بداياتها صفعة للعثماني المستبد لا بد لها أن تلعب دورها الهام في التوجيه والتعريف بالقضية الكردية في المحافل الدولية وإيصال صوت الشعوب ونضالها، استمراراً ووفاءً لتلك القامات التي أسست لصحافة كردية والتضحيات التي قدمها من بعدهم شهداء الحقيقة لإيصال رسالة الصحافة الكردية للعالم أجمع.