No Result
View All Result
فيروز مخول (كاتبة وشاعرة سورية مغتربة)-
في هذا القسم من الدراسة حول الهايكو نرصد تجربة الهايكو عربياً من خلال رواده الثلاث، عاشور فني من الجزائر، محمد الأسعد من فلسطين، وعذاب الركابي من العراق.
لا يسعى الهايكو إلى شرح أسباب موضوعه وآثاره، وإنما يسعى إلى تخليد اللحظة الفورية كما لو أنها هي، مثل قول أحدهم: بركة قديمة/ ضفدعة تقفز/ صوت الماء.
بعد تأملنا في نماذج ما كتبه الشعراء الذين جربوا هذا الشكل، لا بد من الإقرار أنه، وبغض النظر عن توجّه هؤلاء الشعراء إلى تجريب الهايكو، فإنهم عبّروا عن جزء ممّا يميّز إدراك العالم في هذا النّوع، فقد نقلت هذه التجربة الشعراء من الإدراك العقلي للعالم إلى الإدراك الحسي الذي لا يحوّل فيه العالم إلى أفكار مجرّدة، مثلما غلب ذلك على شعر الحداثة العربية، وإذا تبيّن لنا أن هذا النوع من الإدراك لم تخل منه الرؤية العربية خاصة في الشعر الجاهلي وقصائد نزار قباني وتفاصيل سعدي يوسف اليومية، فهذا يدعونا، وبغض النظر عن التسمية، إلى إلحاق تجربة الهايكو بهذا النوع من الشعر. أما إذا أردنا اعتباره امتداداً لقصيدة الهايكو اليابانية، فهناك محاذير كثيرة تقف دون ذلك، هي محاذير الهوية ذاتها عندما تغلق بابها في وجه من لا تتعرّف عليه، وطالما هناك قواعد تتحكّم في هذا الشكل لها صلة باللغة اليابانية، فإنه، من الصعوبة بما كان، تكييف كل هذه القواعد مع اللغة العربية. فالحديث عن هايكو من منظار “عربي” كما يقول محمد الأسعد يدفعنا إلى الحديث عن “عمودٍ” موروث في الشعر الياباني، وعن فن مفروض، وقواعد شرطية تجعله ميداناً لتنافس عقيم يتحقّق فيه، كما في الشعر العربي التقليدي، “حسن الاتّباع”، أي أن يأتي المتكلم إلى معنى اخترعه غيره فيحسن اتّباعه فيه بحيث يستحقه بوجه من وجوه الزيادات التي توجب للمتأخر استحقاق المعنى المتقدم. علماً بأن شعر الهايكو ذاته لم يبق على حاله على الرغم من وحدة أساسه المقطعية.
لم يتسن لنا الوقوف على بنية مخصوصة يمكن أن نصف بها تجربة الهايكو العربية نظراً لاختلاف تجارب الشعراء أنفسهم، فقد تأرجح هؤلاء الشعراء بين الوزن والالتزام بثلاثة أسطر عند “عاشور فنّي” وغيابه واعتماد “عذاب الركابي” أكثر من ثلاثة أسطر، واعتماد نظام إيقاعي مختلف يقوم على المزج بين التفعيلات عند “محمد الأسعد” ومن التزام بالبلاغة العربية كما عند الركابي في السعي إلى خلق بلاغة مفصولة عن التقاليد العربية عند محمد الأسعد، نرى أن الحديث عن شكل جديد ذي بنية مخصوصة أمر سابق لأوانه، على الرغم من أن محمد الأسعد يحدّد طبيعة الإيقاع في هذا النوع من الشعر ويربطه بالإحساس، حيث يقول: “في هذه القصائد يمكن الإحساس بنوعين من الإيقاع:
الإيقاع الخارجي المعتاد في الشعر العربي (المتحرك والساكن) والإيقاع الداخلي المعتمد على تدفّق الصور، والذي يتبع نظام الجملة الموسيقية الحرة. في الإيقاع الخارجي ابتعاد عن نمط شعر التفعيلة، ومزج تفاعيل من بحور مختلفة في الهايكو الواحدة. قد يبدأ السّطر، وليس البيت، بتفعيلة الرجز، تتلوها تفعيلة الرمل، ثم يبدأ سطر بتفعيلة الخبب وهكذا.. المعيار هنا، هو الإحساس بالتدفّق الداخلي. مثلاً قد تبدأ القصيدة بإيقاع بطيء تقوده تفعيلة الكامل، وقد تنتهي بالخبب للإيحاء بالتسارع”.
يعكس هذا الرأي وجهة نظر شخصية عن تجربته الشخصية في كتابة الهايكو نابعة من فهمه الخاص له، وهو الأمر الذي وجدنا نقيضه عند الركابي الذي رأى ضرورة تبيئة هذا النوع من الشعر، مثلما يرى الشاعر عاشور فني أنه موجود أصلاً في ثنايا الشعر العربي. ولعل في تباين الآراء هذا اختلاف في الموقف من الحداثة نفسها، على الرغم من أن تجربتنا مع التحديث أقرت أن الحداثة ينبغي أن تتطلب تراثاً، وأنها لا تثمر حقيقة إلا في أمة تملك ماضياً إبداعياً عريقاً، والشاعر العربي يستطيع أن يحول هذا النمط الشعري الياباني بالارتهان إلى أشكال مغيبة في تراثنا ليصير طاقة على إنتاج ما يضاهي هذا التراث.
قصيدة الهايكو في العالم العربي تكتب بطرق شتى استناداً إلى دعاوى شتى، حتى أصبحت قصيدة بلا ضفاف. لقد وصلت إلى العالم العربي بشخصية أخرى؛ لأنها اكتسبت هويات أخرى لا تسمح لنا بمعرفة بنيتها ولا منطق كتابتها سوى أنها تجربة تقنية.
لا يمكن أن نعتبر أن الشكل القصير هو الطريق إلى إبداع الجديد، ذلك أن القصر هو مجرد علامة طوبوغرافية فيزيائية في علاقتها بطول النص، وليس قصر الهايكو إلا وجهاً لعملة طرفها الآخر هو الإيجاز الذي ليس علامة فيزيائية بل سمة تلفظية بالدرجة الأولى “حيث أن الرهان الأساس فيه هو خطابي، ليس القول فيه بإيجاز هو القول الأقل، بقدر ما هو القول بطريقة أخرى، فالإيجاز منظوراً إليه باعتباره عملية تلفظية ولذلك نرى الشاعر العراقي عذاب الركابي يراهن على تجاوز معظم قواعد الهايكو معتقداً أن هذا النوع من الشعر موجود في تقاليدنا فـ”قصائد الهايكو موجودة لدينا منذ زمن، جميعاً كشعراء، ولكنها متناثرة.. مبعثرة داخل القصائد الطويلة وفي بطون الدواوين”.
إن هذه التجربة في رأي عذاب الركابي وكذلك عند الشاعر عاشور فني، تطرح إضافة تجعل هذا الشكل جزءاً من لحظات الشعرية العربية الهاربة، اللحظة التي هي بمثابة الجزء وقد هيمن عليه الكل وانزوى في بعض بطونه، كما تطرح، أيضاً، سعياً لأن يكون للعرب هايكو خاص بهم، يعبر عن الهوية والخصوصية.
يتبع…
No Result
View All Result