سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

السابع عشر من نيسان …عرس حرية الشعوب

إعداد/ عبد الرحمن محمد-

يحفل التاريخ الحديث بالكثير من الأحداث الفارقة في مسيرة الشعب الكردي الذي عانى على مر التاريخ من الويلات بكافة أشكالها، وكانت اتفاقيتا سايكس بيكو 1916 وسان ريمو 1920 الضربة القاصمة التي كسرت ظهر الكرد إن جاز التعبير، فقد قسمت كردستان إلى أربعة أقسام وعانت من أشكال عدة من الاحتلال والاستبداد.
ألحق جزء هام من كردستان “روج آفا” بسوريا ليخضع للانتداب الفرنسي وليعاني ما تعانيه الشعوب الأخرى على الجغرافية السورية من شكل جديد من الاستعمار تحت مسمى الانتداب، ولم تكن بعد قد تنفست الصعداء بعد الخلاص من الاحتلال العثماني، وكما كان للكرد قصصهم البطولية في مقارعة الاحتلال العثماني كانت لهم قصصهم وبطولاتهم ونضالهم بكل الأشكال، السياسي والعسكري والاجتماعي، وقد كان لهم المساهمة الكبرى في صنع استقلال سوريا في السابع عشر من نيسان عام 1946م.
 قد يكون التذكير ببعض الأحداث والشخصيات من قبيل الإنصاف والعرفان لتلك البطولات والنضال الذي كان شعبياً اجتماعياً عسكرياً بل وفدائياً في كثير من الحالات، وبرزت أسماء كردية وضعت بصمتها في تاريخ مقاومة الاحتلال وناضلت ليكلل نضالها بالاستقلال لشعوب سوريا، وإن يكن البعض قد تنكر لذلك النضال أو حرّف من تاريخ تلك الشخصيات ونسبها لغير الكرد – لثقافة ونظرة شوفينية – كما تم تغيير الكثر من تاريخ الكرد، لكن الحقيقة راسخة شامخة أبداً، ولعلنا وفي عجالة نستذكر بعض تلك الأحداث والأسماء لأن الحديث عن تفاصيلها لا يسعها مجلدات:
بطل ميسلون
يوسف العظمة ابن دمشق ومن مواليدها عام 1884 ومن كرد دمشق، عمل ضابطاً في الجيش العثماني، وتبوأ مناصب قيادية كبيرة، ثم عاد لدمشق بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، كان مرافقاً للأمير فيصل بن الحسين ثم رئيساً لأركان الحرب ثم وزيراً للحربية عام 1920. وأسس نواة الجيش السوري وقتها من زهاء 10000 جندي.
رفض إنذار غورو الداعي لحل الجيش وكان القائد الأول في صفوف الجيش الوطني والثوار الذين هبوا للدفاع عن سوريا وقال قولته الشهيرة وقتها “لن أدع التاريخ يسجل أنهم دخلوا سوريا بدون مقاومة”.
وكان العظمة قد وضع خطة عسكرية تتمثل بوضع ألغام مخفية في وادي القرن حيث طريق الهجوم الفرنسي المحتمل، فجعل على رأس وادي القرن في طريق المهاجمين ألغاماً خفية، ولم تنفجر عندما أراد تفجيرها، فأسرع إلى آلة موضع الألغام ليكتشف أن أسلاك التفجير قد انقطعت، ودافع بكل بسالة هو في موقعه حتى تلقى قنبلة سقطت عليه لترتقي روحه إلى السماء، واستشهد ودفن في ذات المكان يوم 24 تموز1920. ليغدو ضريحه في ميسلون رمزاً للتضحية الوطنية الخالدة، فقد دافع عن شرف سوريا أمام المستعمرين، وعز عليه أن يدخلوا دمشق دون مقاومة، فاستشهد في ساحة الشرف، فغدى بطلاً سورياً كردياً خط اسمه في سجل الخلود.

 أول رصاصة ضد الاحتلال الفرنسي
“إنّ المجاهد البطل محو إيبو شاشو الكردي أطلق الرصاصة الأولى في وجه الفرنسيين المستعمرين، وقد أرسلت الحكومة المحلية في “حارم” قوة من الدرك لملاحقته فتوارى عن الأنظار، ولكن الجنود ساقوا زوجته أمامهم عائدين إلى “حارم”، فثار “محو” واسـتأسد في سبيل الكرامة والشرف، وتبع رجال الدرك حيث دارت بينهم معركة أسفرت عن مصرع بعض الجنود الفرنسيين، وهرب الباقون، وعاد “محو” مع زوجته”. هذا ما يقوله الكاتب “أدهم آل جندي” في كتابه (تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي) 1960م.
يعد البطل الكردي محو ايبو شاشو من الشخصيات البارزة في قيادة نضال الشعب السوري ضد الاحتلال الفرنسي، وهو من مواليد قرية (باسكا) عام 1881م، الواقعة على الحدود السورية التركية، واتخذ من سهل “العمق” موقعاً ليبدأ عملياته ضد الفرنسيين. وكانت البداية بتجريد بعض الدوريات والقوات الفرنسية من سلاحها، واتّخذ من جبل (خاستيا وقازقلي) في منطقة “عفرين” مخبأً له ولرفاقه، وتواصل مع مجاهدي مناطق مجاورة كحارم وغيرها وقاد عدة عمليات، منها العملية التي توجت بالاستيلاء على مخفر قرية الحمام في 26-1-1920 بعد معارك دامت أربعة أيام وقتل خلالها قائد الحامية، ثم أرسلت القيادة الفرنسية قوة بقيادة الكابتن “دروهيل” لمطاردة المجاهدين، لكن المجاهدين البالغ عددهم ستمائة ومعهم “محو ايبو شاشو” هاجموا القوة الفرنسية المتمركزة في القرية بالرشاشات لينال 50 مقاتلاً منهم الشهادة ويتم أسر 17 منهم. واستنفرت القوات الفرنسية حامياتها في حلب وقطمة واعزاز واستخدمت الطائرات في تلك العمليات وسقطت إحدى طائراتها المقاتلة، وفي النهاية ونتيجة خيانة من أحد أقربائه اغتيل في إحدى المغاور بالقرب من قرية “تتران” في عفرين.
زعيم الوطنيين
لا يوجد شخص في سوريا أو في العالم العربي لم يسمع بإبراهيم هنانو، إنه كبير المجاهدين في الثورة السورية، والزعيم الوطني الكبير، الذي تصدى للاستعمار وقاومه في مطلع القرن العشرين، ويأتي في طليعة الأبطال الذين تفخر بهم سوريا اليوم.
ولد زعيم الوطنيين ومجاهد الثورة ابراهيم هنانو في بلدة «كفر حارم» الواقعة غربي حلب عام 1869م، وهو ينحدر من عائلة هنانو العريقة، التي تنتمي لعشيرة “برازي” الكردية المعروفة. عمل موظفاً في العهد العثماني ثم انتخب عضواً في «المجلس العمومي» بحلب، وعضواً في (المؤتمر السوري) بدمشق 1919-1920، وعضواً في (جمعية العربية الفتاة) السرية. ثم احتل الفرنسيون مدينة إنطاكية، وعرف في حلب وشمالها

بتنظيمه لمجموعات مقاومة للفرنسيين اتسع نطاق تواجدها وواجهت الفرنسيين بضراوة وقاتلتهم في 27 معركة وعملية.
لم يلق ما طمح إليه في بيان عبد الله بن الحسين حول سوريا وقصد فلسطين فاعتقل فيها وسلمته بريطانيا لفرنسا التي أطلقته بعد حين ليتحول للنضال السياسي، وكان منهاجه «لا أعترف بدولة فرنسا المنتدبة، ولا تعاون معها»، ولما دعيت البلاد عام 1928 لانتخاب الجمعية التأسيسية ووضع الدستور السوري، انتخب إبراهيم هنانو عن حلب، واختير رئيساً للجنة الدستور في الجمعية التأسيسية، فأتم وضع دستور عام 1930.
قال المؤرخ اللبناني يوسف إبراهيم يزبك: إن الزعيم السوفيتي (لينين) كتب أربع رسائل بخطه سنة 1919 إلى إبراهيم هنانو يدعوه فيها إلى التعاون مع حركات التحرر الوطنية في المنطقة والاعتماد على مساعدة الاتحاد السوفييتي في الصراع العادل ضد الاستعمار.
رجل العلم
لا يقل نضال البطل الكردي أحمد البارافي عن الزعيم الكبير إبراهيم هنانو، فهو من مواليد حي الأكراد بدمشق عام 1898م، تخرج من مدرسة عنبر، والتحق بقوات الدرك، وقد تربى في جو وطني مفعم بالثورية والجهادية حيث كانت سبباً مباشراً لحماسه وانخراطه في مقاومة المستعمر الفرنسي في سوريا ولبنان بكل قوة. وعندما كانت تصدر السلطات الفرنسية في دمشق العفو عن جميع الثوار كان يستثنى منه.
بعد أن نجحت قوات الثورة العربية التي كان يقودها الأمير فيصل بن الحسين في طرد العثمانيين من دمشق، سارع الدركي أحمد بارافي في الصعود إلى سطح سراي دار الحكومة في دمشق وأنزل العلم التركي، ورفع مكانه العلم العربي، وعندما تشكلت الحكومة الوطنية عيّن أحمد بارافي رئيساً لمخفر الدرك في قطنا.
بعد أن احتل الفرنسيون لبنان، عيّن في مخفر الغزلانية، وكلف من قبل السلطات الفرنسية بإقامة حواجز بين الغوطة وجبل العرب لمنع تسلل الثوار من والى الغوطة، إلا أن وطنيته جعلته يحول مركزه هذا لصالح الثوار بين الغوطة وجبل العرب للتنسيق بين رجال الثورة السورية الكبرى بزعامة سلطان باشا الأطرش، ولعب دوراً مهماً فكان يسحب عناصره التابعة للسلطات الفرنسية من المركز كي يفسح المجال للثوار من أجل العبور، وكان على رأسهم المناضل الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، باتجاه جبل العرب للتشاور مع قائد الثورة سلطان باشا الأطرش.
ولقد استمر يساعد الثوار بعد أن نُقل إلى بلدة قطنا ففتح مستودع الذخيرة والسلاح ووزع محتوياته على الثوار معرضاً نفسه إلى أشد العقوبات من المستعمر الفرنسي، ثم ترك سلك الدرك وانضم هو وأخوه عبد القادر الذي كان قائداً للدرك في منطقة القنيطرة ومعهم خمسون فارسا كردياً إلى قافلة الوطنيين الذين بلغ عددهم ألف فارس من العرب والكرد والشركس وغيرهم، وعلى رأسهم الأمير محمود فاعور (شيخ عشائر الفضل)، والمجاهد أحمد مريود الذين يعدون العدة لمقارعة الفرنسيين داخل الأراضي اللبنانية.
وعندما طرد الفرسان الجنود الفرنسيين من منطقة مرجعيون وواجهوا القوات الفرنسية في مناطق لبنانية أخرى مثل راشيا وقرية الصويرة وشتورا وأنحاء البقاع اللبناني ألحقوا خسائر فادحة بالفرنسيين إلى أن أصدر الملك فيصل أمراً برجوعهم إلى مراكز تجمعهم في قطنا بعد شهرين من مقاومتهم في لبنان.
ويقال أنه جمع رفاقه المجاهدين وتوجه بهم إلى قرية (بيت سابر) واستمر نضالهم إلى اليوم الثاني، ثم توجه معهم إلى قرية (برزة) لمتابعة الجهاد ضد الاحتلال الفرنسي إلى جانب ثوار الغوطة بقيادة أبو عمر ديبو الذين تمركزوا في (حوش بالا)، وتواصل النضال إلى (جباتا الخشب) و(عين ترما) و(معربا).
استمر نضال البارافي في ملاحقت الجواسيس وتأمين السلاح والدعم اللوجستي للثوار مستفيداً من وظيفته كدركي، وشارك في ثورة قطنا، وثورة جبل العرب، ومعارك الجولان، ومعركة زاكية، لكن أكبر معركة حامية خاضها ضد الجيش الفرنسي كانت في بيته الواقع في حارة الأكراد (ركن الدين) على سفوح جبل قاسيون المطل على دمشق، ودامت لمدة ساعة، وقتل عدداً من المهاجمين بينهم ضابط فرنسي، وبعد أن نفدت ذخيرته تمكن من فك الحصار والانسحاب ضمن البئر الموجود في منزله الذي يتصل بدهليز مائي للنفاذ إلى موقع آخر بأعجوبة، وفشلت محاولة اعتقاله.
بعد معركة عين ترما التجأ ثانية إلى شرقي الأردن، ثم صدر قرار العفو من المفوض السامي الفرنسي في دمشق بحق الثوار، ورغم أنه استثنى بارافي من العفو إلا أنه عاد إلى دمشق برفقة سلطان الأطرش، الأمر الذي أحرج الفرنسيين فعفوا عنه أيضاً.
كان أحمد بارافي رفيقاً ولصيقاً لسلطان باشا الأطرش، وزعيم ثورة حوران، وسعيد العاص وغيرهم. وقد عاش قرابة المائة سنة حتى توفي في دمشق وأطلق اسمه على شارع في حي الأكراد تقديراً له.
هذه نماذج فقط، إنها غيض من فيض في مقاومة الكرد للاحتلال الفرنسي وتعاونهم وتكاتفهم مع إخوتهم في وجه التدخلات والاحتلال الخارجي، وهناك العشرات بل المئات من الأمثلة الأخرى، ودورهم الريادي في صنع الجلاء وبناء سوريا الحديثة، وفي كل يوم يظهر الانتماء للأرض وتترسخ أخوة الشعوب ويبقى الهدف المحافظة على كرامة وحرية الشعوب التي كانت وما تزال أسمى الغايات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.