سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الحماية الذاتية.. مفهوم مقتبس من إرث المقاومة

كركي لكي/ غاندي إسكندر

في ساحة الشرق الأوسط ما زالت بعض الدول تنتهج نهج سحق الشعوب، وتتبع أبشع الطرق للنيل من إرادة كل من يحيي ثقافته، وسعيهم مستمر لتصفية الشعوب الرامية لتحقيق الديمقراطية، والحرية، واستقلالية الفكر، والإرادة، كالدولة التركية، وقبلها السلطنة العثمانية التي لم تتوقف أطماعها التوسعية، فهي التي ارتكبت مجازر وإبادات جماعية بحق جميع شعوب المنطقة، ولا تزال تمارس سياسة الصهر، والقتل، والسفر برلك.
فهي على الدوام تعادي كل منْ يعارض توجهاتها ومخططاتها من كل الشعوب، وما معاداتها العلنية للشعب الكردي إلا شماعة لتحقيق مآربها في المنطقة، فعين تركيا على المنطقة ككل، فهي بممارساتها المفضوحة في المناطق التي احتلتها في عفرين وسري كانيه وكري سبي، إضافة لجرابلس وإعزاز والباب، وتوغلها الفاضح في باشور كردستان، وإرسالها للمرتزقة إلى دول عدة كليبيا، الصومال، ناكورنو كارباخ، اليمن، وتهديها لليونان؛ تعادي كل شعوب المنطقة، ولم يعد خافياً وسراً المؤامرات التركية المستمرة لابتلاع الدول ونهش الشعوب، فأردوغان منذ توليه السلطة عمل على الترويج لإعادة الخلافة العثمانية التي عاثت في البلدان فساداً وكانت عنواناً قبيحاً للقتل وسفك الدماء.
حماية للهوية والثقافة والأرض
أمام العداء التركي للشعوب ومساعيها لاحتلال المزيد من الأراضي، ولا سيما في سوريا والعراق، برز ومع بدء الفوضى التي عمت سوريا منذ عام 2011 مفهوم الحماية الذاتية للهوية والثقافة والأرض، وبما أن الشعب الكردي هو من الشعوب التي مورست بحقه أبشع أنواع الظلم والاضطهاد والصهر، فمسيرته النضالية ضد العدو التركي ذات تاريخ طويل.
 برزت المسيرة النضالية بشكل فعلي مع الثورات الكردية في القرن العشرين، كثورة الشيخ سعيد وسيد رضا، وآكري، مروراً بالحرب الثورية التي تخوضها حركة حرية كردستان، والتي أشعلها قائد المقاومة معصوم قورقماز “عكيد” في منتصف الثمانينات، ولا تزال جذوتها مستمرة، وإن إرث المقاومة الذي وضع أسسه كل من مظلوم دوغان ومعصوم قورقماز شكل الأرضية الصلبة والخصبة التي اتكأ عليها الشعب الكردي عندما تعسكرت الثورة السورية وأخذت منعطفاً خطيراً، خاصة بعد أن شعر الشعب الكردي بأنه أمام مشروع صهر جديد بقيادة تركية.
المقاومة الشعبية أفضت إلى تأسيس وحدات حماية الشعب
وعلى إثر المقاومة الفذة التي أظهرها الشعب الكردي، وعندما اكتسب المقاومون خبرة تمكنهم من تنظيم أنفسهم تحت إطار تنظيمي مسلح، تأسست وحدات حماية الشعب بعد ثورة التاسع عشر من تموز في عام 2012.
هذه الوحدات التي رسخت مفهوم الحماية الذاتية من خلال المعارك البطولية التي خاضتها عندما تعرضت أراضي ومدن روج آفا للغزو وخطر الإبادة والصهر من قبل المرتزقة السوريين الذين تلقوا الدعم العسكري والمعنوي من قبل تركيا.
فتركيا أرادت أن تفشل ثورة تموز وتقضي عليها وتنهي أي تواجد كردي في روج آفا لأنها تلمست الأفكار الديمقراطية التي نادى بها الشعب بعد تحرير المدن الكردية، وهي الأفكار التي تشكل معضلة حقيقية لدى القومويين الترك، فهي تجد في تآخي الشعوب وتنوع الثقافات إفشالاً لمشروعها القائم على اللون الواحد، وقد شارك إلى جانب وحدات حماية الشعب في دفاعها المشروع الشبيبة، المرأة والرجل والصغار، كل وفق مقدرته، انطلاقاً من مفهوم حرب الشعب الثورية المستندة إلى النضال المستمر وعدم الاستسلام.
عكست مفهوم الحماية من خلال وحدات حماية المرأة
وإيماناً منها بأن المقاومة والحماية لن تكون مكتملة إلا إذا تركت المرأة بصمتها في ميادين الحماية المختلفة تم الإعلان رسمياً عن وحدات حماية المرأة في الرابع من نيسان من عام 2013.
استطاعت هذه الوحدات أن تقلب موازين الفكر في العالم أجمع عندما صاغت بإرادتها الحرة هوية المرأة المناضلة التي تحولت إلى نبراس للمقاومة يهتدي بها كل ساع إلى التحرر من الظلم والاضطهاد، فهي التي كتبت بحروف من ذهب، وأعطت دروساً للعالم أجمع عن كيفية هزيمة الإرهاب، وتحطيم غطرسته بأيادي المرأة، ولم تقتصر حماية المرأة في خنادق القتال بل أصبحت ملجأً لحماية المرأة من جميع مظاهر العنف الجسدي، النفسي، الاغتصاب، وأضحت المقاومة التي أظهرتها المرأة في كوباني والرقة والباغوز وشنكال منهلاً للروايات والأفلام السينمائية العالمية.
حماية القيم العشائرية من خلال الصناديد
ولم يقتصر مفهوم الحماية لدى الشعب الكردي فقط، ولأن سوريا عموماً، وشمال شرق سوريا خصوصاً، تتألف من موازييك من الشعوب المختلفة، وهذه التوليفة الجماهيرية مهددة بالإبادة من قبل عشاق اللون الأسود، استطاع الشعب العربي ذو الخلفية العشائرية والقبائلية التي لا تقبل الضيم والظلم، ولأن الإرهاب ومموله أردوغان يستهدف جميع الشعوب، أن ينتظم عبر قوات عدة ومجالس عسكرية في دير الزور والرقة ومنبج، إضافة للطابع العشائري الممثل بعشيرة شمر التي نظمت قوات الصناديد، هذه القوات التي ساهمت في حماية الأرض والقيم العشائرية الأصيلة وكانت ولا زالت قوة حماية لكل الشعوب.
منعاً من تكرار مذابح سيفو… اتبعوا الحماية الذاتية
ولكي لا تتكرر مذابح سيفو من جديد بحق السريان، اتخذت الشعوب المعتنقة للمسيحية في سوريا ولا سيما في إقليم الجزيرة من مبدأ الحماية الذاتية أساساً لها منذ بداية ثورة روج آفا، فأسس الشعب السرياني المجلس العسكري السرياني، وأسس الشعب الآشوري قوات حرس الخابور، والتي اتحدت فيما بعد تحت اسم المجلس العسكري السرياني الآشوري، وتصدى المجلس والحرس بجسارة لهجمات مرتزقة داعش في جبهات تل تمر والخابور، فانتظام الشعبين السرياني والآشوري في تشكيلات عسكرية كان رداً قوياً على أردوغان الذي مارس الإبادة بحق السريان، الكلدان، الآشور، الأرمن، ومن خلال استخلاصهم للعبر من الماضي الحزين كان مفهوم حماية السريان والكلدان والآشور من المخاطر المحدقة بهم أمراً حتمياً، وقد شاركت المرأة السريانية أيضا في الحماية عبر تشكيلها لقوات عسكرية خاصة بالمرأة سميت قوات حماية بيث نهرين في عام 2015.
قوات سوريا الديمقراطية صمام الأمان والحماية
ومع تطور الأحداث العسكرية والميدانية في شمال وشرق سوريا ولدى إدراك الشعوب في شمال وشرق سوريا أن الإرهاب والأجندات الإقليمية لا تستهدف شعباً بعينه، وإنما التآمر على كل الشعوب، فقد انتظمت القوات التي دافعت عن روج آفا وشمال شرق سوريا في قوات سوريا الديمقراطية.
 استطاعت قسد أن تضع نهاية للإرهاب العالمي المتمثل بمرتزقة داعش، وذلك في معركة الباغوز، وما تزال هذه القوات تلاحق فلول الإرهاب وأذرعه الأمنية وخلاياه النائمة في كافة مناطق شمال وشرق سوريا، وباتت قسد اليوم صمام الأمن والحماية التي يعتمد عليها الشعوب في شمال وشرق سوريا، ويرون فيه نواة جيش سوريا المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.