سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

بداية الهايكو العربي -1ـ

فيروز مخول (كاتبة وشاعرة سورية مغتربة)-

يعتبر أدب “الهايكو” نوعاً من أنواع الشعر الياباني. وهو عبارة عن بيت شعر واحد، مكون من سبعة عشر مقطعاً صوتياً باليابانية، ويكتب عادة في ثلاثة أسطر وأحياناً يتجاوز ذلك إلى خمسة أسطر, يحاول الشاعر “الهايكست” من خلال مفردات قليلة؛ التعبير عن مشاعر جياشة وأحاسيس عميقة تحقق عنصر المفاجأة للمتلقي. ازدهر هذا الأدب في القرن 17 بفضل الشاعر المعلّم “ماتسو باتشو” وتلاه “يوسا بوسون” ثم “كوباياشي إيسا” وكثير غيرهم (نتوقف لاحقاً مع نماذج الهايكو لديهم). بينما في القرنين التاسع عشر والعشرين بدأ “الهايكو” يتجاوز حدود اليابان ليصل إلى أمريكا ودول الغرب. فترجموه ومن ثم تمّت محاكاته وكتابته وتطويره للاستغناء عن عدد المقاطع الصوتية اليابانية التي قد لا تتجانس مع باقي اللغات والصوتيات في العالم. ثم بعد العديد من الترجمات لهذا الأدب الياباني، سواء إلى الإنكليزية أو الفرنسية أو اللاتينية، وصل “الهايكو” في منتصف القرن العشرين إلى البلاد العربية عن طريق ترجمة نصوص منه إلى اللغة العربية.
ولادة الهايكو العربي
يبدو أن “الهايكو” ظل أدباً مقروءاً لدى العرب حتى منتصف ستينات القرن الماضي، التي شهدت بداية كتابته لدى بعض الشعراء، إذ يُذكر أن أول من اختبر كتابة “الهايكو العربي” وكان المؤسس الفعلي لقصيدة الهايكو العربية، هو الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة منذ عام 1964.
يعتبر عز الدين المناصرة ، رائد قصيدة “التوقيعة الشعرية” ومنها “الهايكو العربي” منذ عام 1964، وظل يكتبها حتى عام 2019. وهو من مواليد فلسطين محافظة الخليل، ولد في 11/4/1946.أصدر اثني عشر ديواناً شعرياً، أشهرها: “يا عنب  الخليل 1968، وبالأخضر كفناه 1976 وجفرا أمّي 1981، وكنعانياذا 1983- ولا أثق بطائر الوقواق 2000 وتوقيعات 2019 والبنات 2009، وغيرها”.
وهو أحد شعراء الثورة الفلسطينية المسلحة “1964- 1994” ، عاش في العاصمة الأردنية عمّان، حيث لم يستطع الدخول إلى وطنه فلسطين، وكان أحد معارضي اتفاق أوسلو، واتفاق تقسيم الخليل منذ 1993 ويحمل المناصرة رائد الهايكو العربي شهادة الدكتوراه في الأدب المقارن “جامعة صوفيا 1981″، وحصل على مرتبة الأستاذية “dr” عام 2005. أحيل إلى التقاعد منذ 1/9/2017، بعد أن عمل أستاذاً في خمس جامعات عربية لمدة خمسة وثلاثين عاماً وتوفي في عمان يوم الخامس من نيسان 2021.
صدر له كتاب توقيعات عزالدين المناصرة، في طبعته الأولى التجريبية عام 1969، وصدرت الطبعة الثانية 2013، وصدرت الطبعة الثالثة في عمّان عام 2020، وكما يُقدّر لكل جديد؛ سواء كان أدباً أو فناً أو فكرة أو مشروع؛ أن يعاني الرفض والتشكيك وقسوة الانتقاد! عانى المناصرة  مثلما عانى شعراء العرب في التفعيلة والنثر والأقصوصة، ويرد الشاعر المناصرة، رائد فن الهايكو العربي على القائلين بأن “الهايكو” محصور في موضوع الطبيعة: “الطبيعة جزء من مفهوم الوطن، والوطن جزء من الكون بتنوعه، فإذا كان الوطن، إيديولوجياً، فإن العلاقة مع الطبيعة هي إيديولوجيا أخرى… فإذا أردنا توسيع الهايكو نحو فن التوقيعة الشعري، فإن هذا التوسيع يعني أن نتفاعل مع ديالكتيك الطبيعة – الوطن… والإنسان يتفاعل مع داخله وخارجه، سواء عندما يمارس الكتابة أو أي تفاعل آخر”.
ويقول المناصرة في هايكو: “سلاماً آهِ يا أبتاه ، إنْ تعبوا، فلن أتعب، وإن ركضوا إلى أعدائهم طمعاً، فلن أذهب”.

فالشاعر المناصرة الذي نقل هذا الأدب وعمل على تجديده بما يتلاءم والنسخة العربية، فتحوّل النقاد إلى تأييده والثناء على منجزه في هذا الصنف الأدبي، يقول:
“أنا أمير
أنت أمير
فمن ترى يقود
هذا
الفيلق الكبير”.
ويقول في نص آخر:
“الأفعى لا تُخلي جحراً،
إلا بالفأس
الأفعى لا ترحل بالموسيقا
الأفعى لا ترحل،
إلّا إن قُطع الرأس”.
وحين انتصفت الثمانينيات بدأ معها انتشار “الهايكو”, وخلال عقد من الزمن استقر وازدهر تماماً في المنطقة العربية، فعرفت دول المشرق والمغرب العربي شعراءَ اتجهوا إلى هذا الصنف الأدبي، وبالطبع عانوا جميعاً ما عاناه قبلهم المبدع عزالدين المناصرة وسواه. لكن الإصرار دفع هؤلاء الشعراء والشاعرات إلى ضمّ “الهايكو” إلى قائمة الأدب وأنواعه من رواية ومسرح وقصة وشعر ونثر. وبعضهم أنجز “هايكو” الومضة المدهشة بلغة الحاسة السادسة، بينما اعتبر رائد الهايكو “المناصرة ” أن الهايكو هو فرع من فروع “التوقيعة الشعرية”.
لا بد في الختام من القول بأن أي مادة تتطرق إلى فن أو أدب أو علم أو فكر أو نظرية أو مفهوم، لا يمكن أن تحيط بكل الجوانب المتصلة بها، إذ تدعو الحاجة حينها إلى مجلدات، وإلى ذكر مئات بل آلاف الأشخاص ممن قدموا منجزاً في ذلك الاختصاص، أياً كان نوعه. وما سياق هذه المادة إلا معلومات مختزنة في الذاكرة مع بعض اجتهاد شخصي متواضع. أما مصادر قصائد “الهايكو” فمنقولة على ذمة مواقع شبكة الإنترنت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.