سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الطبقة.. ولادة حياة حرة من رحم الآلام

الطبقة/ عمر الفارس –

تتمتع مدينة الطبقة بموقع استراتيجي هام جداً على الخريطة السورية باعتبارها عقدة مواصلات هامة ومصدراً هاماً للطاقة، الأمر الذي زاد مآسي أهالي المدينة بسعي مختلف القوى منذ اندلاع الحرب في سورية للسيطرة عليها، إلى أن تم تحريرها بشكل كامل من قبل قوات سوريا الديمقراطية في صيف عام 2017م.
أهمية موقع مدينة الطبقة
تعتبر مدينة الطبقة ذات موقع مهم لوجودها على ضفة نهر الفرات مما زاد من جذب السكان، حيث كانت منذ العصور القديمة مركزاً للتبادل التجاري وتجميع المحاصيل الزراعية وتصديرها عبر نهر الفرات، واستخدام النهر لنقل البضائع إلى الخليج العربي وبابل والهند، تعاقبت على أرض الطبقة كما المناطق السورية الأخرى، حضارات عدة، ومرت عليها إمبراطوريات عريقة إلى أن دخلت أراضيها جيوش الفتح الإسلامي عام 639م.
تأسيس المدينة
مدينة الثورة أو ما تسمى بالطبقة هي مدينة جديدة بنيت على أنقاض مدينة قديمة عريقة، أنشئت الثورة بعد بناء السد على الضفة اليمنى لنهر الفرات، وضمت نسيجاً مجتمعياً متنوعاً من كافة المناطق السورية ومن كافة الأديان والطوائف، وهي مجاورة للسد المسمى على اسم نهر الفرات في محافظة الرقة “سد الفرات” وتبعد عن مركز مدينة الرقة 55 كم باتجاه الغرب و150كم عن مدينة حلب باتجاه الشرق.
يضم السد جميع المنشآت الإنتاجية اللازمة لاستثمار السد ومشاريع استصلاح الأراضي ومحطات التوليد الكهربائي، الأمر الذي زاد من أهمية المدينة اقتصادياً.
ونتيجة للأهمية الكبيرة لموقع المدينة كعقدة وصل بين خطوط الحركة التجارية إلى جميع الأراضي السورية، وكونها تعد إحدى أهم المناطق الزراعية والاقتصادية، زادت الأطماع عليها منذ أن بدأ التسلح يطغي على الأزمة السورية في 2013م.
في سياق الحديث عن مدينة الطبقة وأهميتها أجرت صحيفتنا “روناهي” لقاء مع مسؤول مكتب التنظيم لحزب التحالف الوطني الديمقراطي بالطبقة “وائل الحميد” الذي تحدث لنا عن مميزات الطبقة والأطماع التي طالت المنطقة على مدى عدة أعوام، موضحاً بالقول “تنقسم مدينة الطبقة، هذه المدينة العريقة، إلى قسمين: المدينة القديمة وتعرف باسم الطبقة، والمدينة الجديدة التي أنشئت بعد بناء سد الفرات عام 1968م، وتعرف بمدينة الثورة التي كان يبلغ عدد سكانها ما يقارب 240 ألف نسمة، معظمهم من الطبقة العاملة والفلاحين ومن مختلف المناطق السورية ومن كافة الأديان والطوائف”.
ومع اندلاع الثورة السورية في منتصف شهر آذار عام 2011م، نزح عدد كبير من سكان المدينة بسبب المعارك الدائرة التي عاشتها المدينة خلال السنوات اللاحقة ليتقلص عدد سكانها إلى ما يقارب 85 ألف نسمة فقط، وعاد غالبيتهم إلى مسقط رأسهم في المدن السورية المختلفة.
 ويُشير الحميد إلى الفترات المختلفة لسيطرة قوى المعارضة المسلحة (الفصائل المرتزقة) ومن بعدها مرتزقة داعش على المنطقة. وقتها اندلعت اشتباكات عنيفة بين الفصائل المسلحة التي كانت تحمل اسم الجيش الحر مع قوات النظام السوري دامت أكثر من أسبوع، ويقول الحميد “تمثلت هذه الفترة بفقدان الأمان وتزايد حالات القتل والخطف والتهجير الممنهج والسرقة والنهب، مما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من شعوب المدينة ولا سيما الطوائف التي مورس بحقهم أشد الممارسات العرقية الطائفية والضغوطات مما دفعهم الى ترك المدينة”.
معاناة وتهجير
سيطر بعد ذلك على المدينة مرتزقة داعش الإرهابي بعد معارك مع الفصائل المسلحة مما دفع قسماً كبيراً من تلك الفصائل إلى مبايعة مرتزقة داعش أو الهرب خارج الأراضي السورية والذي بدوره أيضاً بسط سيطرته التامة على المنطقة، حيث مارس أشد وأقسى أنواع الظلم بحق أهالي المدينة وفرض الآراء والفكر المتطرف تحت مسمى الدين، والدين براء من أعمالهم.
ويركز الحميد حديثه على معاناة الشعوب من الديانات الأخرى غير الإسلام من إرهاب داعش، حيث استهدف كل فرد جاء بفكر مغاير لفكر التطرف الذي جاؤوا به وتكفيرهم وأسرهم وقمع الممارسات الدينية وحرية التعبير وتكوين الأحزاب والجمعيات، وإجبار من بقي من الطوائف على دفع الجزية، الأمر الذي أدى إلى تهجير الطوائف وتدمير الكنائس.
تحرير مدينة الطبقة وعودتها للحياة
واختتم وائل الحميد كلامه بالحديث عن تحرير مدينة الطبقة من هذا الأسر الذي طال المنطقة خلال السنوات الأربعة بعد سيطرة داعش عام 2014، حيث قامت قوات سوريا الديمقراطية وبدعم من التحالف الدولي بحملة غضب الفرات في 22/3/2017 من أجل تحرير المدينة، وحُررت المدينة بعد معارك دامية مع مرتزقة داعش، واستشهد خلال حملة التحرير المئات من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية وأبناء المنطقة المناصرين لـ”قسد”، إلى أن تم تحرير المدينة بشكل كامل في 10/5/2017.
هنا بدأت الحياة بالعودة تدريجياً لمختلف جوانب ومجالات الحياة، وعاد الأمان للمدينة والتعليم وافتتحت المدارس، وتشكلت المؤسسات التنظيمية، وعادت مشاركة المرأة لتأخذ دورها الريادي في المجتمع.
وفي لقاء آخر أجرته صحيفتنا مع الرئيس المشترك لاتحاد الأصناف في منظمات المجتمع المدني بالطبقة “ميلاد فارس“، وهو من أبناء مدينة الطبقة وعاش فيها منذ بداية اندلاع الأزمة السورية وعاصر تعاقب سيطرة كافة التشكيلات العسكرية وداعش عليها، يقول: “مدينة الطبقة، المدينة التي يحبها كل شخص عاش فيها

وترعرع في ربوعها، المدينة ذات المناخ المميز والمعتدل، والتي قامت بعد إنشاء السد الكهرومائي الذي أفاد المنطقة بالري والكهرباء بعد الانتهاء من تشييده”، بهذه الكلمات يصف ميلاد فارس، ابن مدينة الطبقة، مدينته التي باتت اليوم مركزاً هاماً، ويقول “إن بناء السد وإقامة المشاريع زاد من استصلاح الأراضي وتنوع المحاصيل، الذي أدى إلى تشكيل المدينة وضم الطبقة القديمة مع الأحياء الحديثة المتمثلة بالحي الأول والثاني والثالث والرابع. استقطبت المدينة السكان من كافة المناطق السورية حتى باتت تمثل نمط “سورية مصغرة”، وكون أن المنطقة تشكل بالأساس عقدة مواصلات، وكونها تحتوي سد الفرات الكبير، الأمر الذي زاد من أطماع الفصائل المسلحة بعد اندلاع الثورة السورية للسيطرة عليها بهدف استخدامها كمنطلق وكسلاح ضد الخصم”.
سيطرت فصائل الجيش الحر على المدينة، وتمثلت هذه المرحلة بفترة “فوضى ونهب وغياب الأمان وعدم التنظيم” بحسب وصف فارس، إلى أن جاء بعدهم مرتزقة داعش الإرهابي الذي استعطف الناس من ناحية الدين التي تعتبر النقطة الأضعف في تحريك الفرد وتوجيه في سياساتهم وزجهم في نزاعات طائفية وعرقية, ويقول فارس: “مارس مرتزقة داعش أشد ممارسات القمع للأهالي والقتل الممنهج والتمثيل البشع بالجثث لإرهاب الناس وتخويفهم”.
وتطرق ميلاد فارس في نهاية حديثه إلى تحرير المدينة من رجس داعش وعودة الأمن والأمان من قبل قوات سوريا الديمقراطية بقوله “مع بداية التحرير بدأت إزالة الأنقاض وتنظيم المؤسسات واللجان التنفيذية والإدارات في المدينة، وتم تشغيل السد وإعادته للخدمة وتوفير الكهرباء والمياه للمنطقة”.
 واليوم وبعد مرور أربع سنوات على التحرير تم النهوض بالمشاريع الخدمية وتنظيف البلدة وإعادة القضاء في حل النزاعات وافتتاح المدارس وعودة الأطفال للتعليم.
ويزيد فارس على ما سبق بالحديث عن استمرار خطط الإدارة الذاتية في إعمار البلد والنهوض بالمجتمع وايجاد الحلول للأزمات، ولا سيما الأزمة الاقتصادية التي طالت جميع الأراضي السورية والعمل على تحقيق واستمرار النجاحات للإداريين القائمين على العمل في لجان ومؤسسات الإدارة المدنية الديمقراطية بالطبقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.