سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

اللافتــــــــــــــــــــة

محمد عاطف (كاتب وشاعر)-

أذكُر أنه في سنة 1999 حيث كان موعد الاستفتاء على تَرَّشُح الرئيس مبارك لفترة رئاسية جديدة وبقائه في الحُكم، وإذا برَجُلٍ من إحدى أقاصي القُرى الصغيرة والتي تَبعُد عن قريتنا نِسبياً ويُدعىَ “عَبدة حِلمي” قد قام ذات صباح بِتَعليق وتَثبيت لافتة كَبيرة، ومكتوب عليها اسمه كاملاً مسبوقاً بِلَقب الحاج وذَكر جميع أسماء أبنائه مَسبوقين بِلَقب الأُستاذ، يُؤيدون ويُبايعون الأخ والأب الرئيس مبارك مَدى الحياة وبالتوفيق والسداد ونَحنُ من خَلفك وبظهرك يا ريس؛ وصورة للرئيس وبجوارها صورة (عبدة) أبيهم هذا، وقد اختاروا لتلك اللافتة المدخل الرئيسي لقريتهم ومن ناحية الطريق العام، وكانت اللافتة مكشوفة للمارة، بالفعل لافتة ومُلفتة لكلِّ مَن يراها، سواء كان من القرية أو من خارجها، حيث أثارت التساؤلات مَن يكون (عَبدة حِلمي) هذا؟ ومن هُم أولاده هؤلاء؟ خصوصاً وأنهم صِغار بالعُمر ولا يحملون أي مؤهلات عِلمية تُذكر أو وظائف، وما هو الحجم النِّسبي لهذا الرجل النَكِرة؟ وبِما أنه كان لا يقوم على عمل تلك اللافتات واللوحات سوى كِبار التُجار ورجال الأعمال والقيادات الشعبية والتنفيذية والحِزبية وأمثالهم، فكان أمر أصحاب اللافتة مَثار دهشة لِكثيرين.
عبدة حلمي هذا رَجُل عادى جداً من فئة المُهَمَّشين والسُوقة والبُسطاء لا يَحمل أي مؤهلات تُذكر، وليست له حَيثية اجتماعية أو سياسية أو وظيفة أو حتى عمل ثابت أو ذِكر في أي مَحفل سوى أنه رجل تجاوز العقد الخامس من العُمر بخمس سنوات، يمتلك خِفة ظِل وسُرعة بَديهة و(هِدمَة) نظيفة، وكثيراً ما يَتَصَعلك حيث تقودهُ قَدماه وقُرون استِشعارة للجِلسة التي بها نارجيلة مِعَسل وشاي تِقيل يُسوى على (راكية نار)، أما شُغلته التى يترزق منها فهي رزق يوم بيوم (على ذراعه) كما يُقال، وعندما يكون مُتفرغاً، وكثيراً ما يحدث، يجلس مُمَارساً هوايته ويَقُص على الناس الأحلام التي يراها بالمنام، والتي هي بالأصل من تأليفه وتلحينه وإخراجه، حتى أن لَقَبْ عبدة (حِلمي) هذا ليس لأن أباه يُكَنَى بحلمي ولكنه لقب أطلقته الناس عليه لكثرة الأحلام التي يراها بالمنام! ويَرويها مُجسداً بُطولاته وصَولاته وجَوالاته من أول ارتياده للمطاعم الفاخرة ومغامراته في سرقة البنوك أو خوض معركة، وبالتأكيد يربحها؛ أو معرفته براقصات وفنانات، ويجلس يرويها بالساعات، وكثيراً ما كان يُقابل أحد الأشخاص المُهمين أو المعروفين ويقول له سبحان الله كنت مَعايا بالحلم البارحة ومن ثَمَّ يطلب منه أي طَلب، سواء مادياً أو معنوياً، وعندما يحكي لا يجرؤ أحد على تكذيبه أو اعتراضه، حيثُ أنه لا يَدَع لأحد رفاهية النقاش أو الاعتراض ، بل يفاجئه بأنه شايف له حِلم (وحش)، هذا بالإضافة أن ما يَرويه بالحلم هو صاحب البَث الحَصري له وهو الذي رأى حرفياً، فهل لكَ في الأمر شيء؟!
 ولكن لِحُسن الحظ أن بالقرية التي يَقطِن بها المدعو هذا، صديق لي يُدعى حامد ومُقرب لي، وفى ذات يومٍ كان يقف على قارعة الطريق بانتظار إحدى السيارات التي تنقله لعمله، فتوقفت نحوه واستقل معي سيارتي، ومن ثَمَّ سألته من يكون هذا الرجل يا حامد، فحكى لي ما تَقدم من تعريف للرجل، وأخبرتكم به.
وحيث أن صديقي على شَاكِلتي شَغوفاً بالمعرفة فأخبرني بأنه سأله، يا عم عبدة ما هو سر تلك اللافتة ومن الذي طلب منك تعليقها، فأخبره عم عبدة أنه رأى تلك اللافتة في الحلم أيضاً، وعندما استيقظ قَصّ الحلم على أبنائه وزوجته نِفِيِسَة، فقالوا له “تِبقى وصية الريس ولازم تنفذها فوراً!”. وبعد تثبيته لتلك اللافتة بثلاثة أيام بالضبط والساعة العاشرة مساءً بالضبط وجد التليفون الأرضي (الثابت) يرن رناً متواصلاً وبشدة لدرجة أن “الترابيزة” التي عليها التليفون كانت تَهتز من شدة الرنين، فانتابهم جميعاً الخوف والقلق الشديدين، لكنه تمالك نفسه، وقام برفع السماعة فسمع مَن يُبلغه “مكتب الرئيس مُبارك معك، هل أنت عَبدة حِلمي، فقال أيوه يا باشا، قاله الريس معاك”، فيقول أنه شاهد قلبه يقفز من صدرة على الأرض، ومن شِدة خوفه هَبَدَ السماعة على التليفون فأُغلق الخط، ولكن لحظات ووجد التليفون يرن بشدة وتلك المَرة كان التليفون (بيِتشَال وَيِتهِبّد) من الرن على “الترابيزة”، فرفع السماعة وهو يرتعش ونِفِيسة زوجته بجواره تسنده وهى ترتعش أيضاً وتقول له ما تخفش يا سي عبدة، فوجد الرئيس بنفسه يقول له أنا بتشكرك (يا عبدة) على لافتة التأييد لي والتي قمت بتثبيتها بمدخل قريتكم، شِدّ حيلك يا بطل والبركة فيك، فاندهشت ولم أُصدق نفسى، وقلت له برقبتي يا ريس مَبروك مُقدماً… “وزغرتي يا نِفِيِسَة”.
فضحك الريس وقال لي سَلِّم على مَرتَكْ نِفِيِسَة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.