سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

جيجك صدى صرخة إنانا

 ليلى موسى (ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية في مصر)-

لطالما عُرِف عصر الأمومة بالعدالة الاجتماعية والمساواة والعيش المشترك والسلام والأمن والاستقرار والإبداع والازدهار والتأقلم والانسجام مع الطبيعة، تلك الفترة التي عرفت بالمرحلة الذهبية من تاريخ البشرية، حيث كانت نقلة نوعية، وذلك من خلال الانتقال من مرحلة الكائن البيولوجي يعيش وفق مقتضيات الغريزة إلى الكائن العاقل المفكر المبدع، مسخراً كل طاقاته لتطوير البيئة والمجتمع، وتأسيس حالة مجتمعية فريدة عبر علاقة ديالكتيكية بين الطبيعة والإنسان قائمة على الانسجام والتأقلم والتوازن.
وبالرغم من تشغيل هذه المرحلة 98% من تاريخ البشرية، إلا أنها أصيبت بالانكسار والتراجع بفعل السلطة والدولة، هذه السلطة لم تكن تتمكن من الانتصار إلا من خلال استهداف المرأة عبر الاستيلاء على مي /ماءاتها/ أو ما يعرف بقوانين المرأة 104 والمقصود به مكتشفاتها عبر تعنيفها بشتى الوسائل والمجالات، وما قصة صراع إنانا مع أنكي إلا خير دليل لاسترداد ماءاتها.
وبما أن الإنسان خلق حراً بالفطرة فلن يقبل العبودية والاستسلام، لذلك استمرت مسيرة نضال إنانا عبر حفيداتها للمطالبة بحقوقهن وحريتهن والعيش وفق مقتضيات طبيعتهن.
والسلطات، بالمقابل، وبمختلف تسمياتها وانتماءاتها وخلفياتها، سواء أكانت دينية أو قومية أو علمانية، لم تقف مكتوفة اليدين أمام نضالات المرأة ومسيرتها التحررية مبررين ومشرعين شتى ممارستهم القمعية والتعسفية والديكتاتورية بحق المرأة، تارة باسم الميثولوجيا وتارة باسم الدين والفلسفة مروراً بالعلم.
ومسيرة نضال المرأة ظلت مستمرة عبر تاريخ مطالبة بحقوقها وحياة الشراكة الندية، ومناهضة جميع أشكال العنف والاضطهاد والتمييز بحقها، واستطاعت الحصول على بعض حقوقها، فمثلاً في مؤتمر اتحاد النساء الديمقراطي العالمي الذي شارك فيه أكثر من 100 امرأة من 17 دولة في مدينة كوبنهاكن الدنماركية، طرحت فيه السياسية اليسارية من الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، كلارا زتكن (Clara Zetkin) فكرة الاحتفال بيوم المرأة العالمي واقترحت أن تقوم كل دولة باختيار يوم محدد من كل عام للاحتفال بيوم المرأة على أن تتم فيه طرح مطالبات النساء في كل دولة، وتمت الموافقة بالإجماع على مقترحها وذلك بتخصيص يوم للاحتفال باليوم العالمي للمرأة.
غير أن تخصيص يوم الثامن من آذار كعيد عالمي للمرأة لم يتم إلا بعد سنوات طويلة من ذلك، لأن منظمة الأمم المتحدة لم توافق على تبني تلك المناسبة سوى سنة 1977م، عندما أصدرت المنظمة الدولية قراراً يدعو دول العالم إلى اعتماد أي يوم من السنة يختارونه للاحتفال بالمرأة، وبحسب الأمم المتحدة فإنه اليوم الذي يتم فيه “الإشادة بإنجازات النساء من دون الاهتمام بالاعتبارات الوطنية أو العرقية أو اللغوية أو الثقافية أو الاقتصادية أو السياسية”.
وفي عام 1999م، صدر قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبار 25 تشرين الثاني من كل عام يوماً للتوعية بجميع أشكال العنف ضد المرأة، من اغتصاب وعنف أسري وأي شكل من أشكال الضرر الجسدي أو النفسي الواقع على المرأة. كما يشمل ذلك جميع أشكال الإكراه والإجبار والمراقبة، سواء داخل الأسرة أو خارجها.
واختيار يوم 25 تشرين الثاني لم يكن اعتباطياً، إنه اليوم الذي تم فيه اغتيال الأخوات ميرابال “باتريا، مينيرفا، ماريا تيريزا” سنة 1960م، على يدر رجال الديكتاتور رفائيل تروخيو حيث كان ذنبهن الوحيد أنهن كن يناهضن حكم تروخيو واستبداده.
وبالرغم من الأثر البالغ الذي خلفته الأخوات ميرابال في حركة المقاومة في الدومينيكان، وفي أمريكا اللاتينية بشكل عام، إلا أن مسيرتهن النضالية لم تظهر للعالم إلا بعد بدء الاحتفال باليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة.

ومسيرة العنف ضد المرأة ظلت مستمرة في أكبر تجلياته بالرغم من نضالات المرأة التي لم تنقطع، فقد كشف تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية وشركائها تعرض كل امرأة من بين ثلاث على الصعيد العالمي للعنف الجسدي أو الجنسي، أي ما يقارب 736 مليون سيدة وفتاة حول العالم.
ولم تتوقف ممارسة العنف ضد المرأة عند هذا الحد فقط، بل وأكثر من ذلك حوربت المرأة بجسدها والتلاعب بطبيعتها البيولوجية بذريعة حمايتها من ارتكاب الخطيئة والحفاظ على شرفها، ففي تقرير صادر عن الأمم المتحددة لعام 2017م يبين تعرض “133 مليون امرأة حول العالم لعملية الختان، والنسبة في بعض الدول العربية وشمالي أفريقيا هي الأعلى عالمياً، إذ في بعضها تخضع 92 في المئة من النساء للختان بين سن 15 و49 عاماً”.
وفي الدول التي سجلت فيها أعلى نسبة عالمياً خلقت حالة من الاستياء والنضال والمقاومة من قبل نسائها، وقد كانت الكاتبة والطبيبة نوال السعداوي خير من مثلت هذا النضال، وقد كانت إحدى ضحايا تلك الجريمة البشعة وهي بعمر السادسة واصفة إياه بـ “أداة لقمع النساء”، ونوال تعرضت لأشد أنواع العنف بسبب نضالها ضد الختان حيث تم فصلها من عملها بسبب كتابها المرأة والجنس عام 1972م.
ولكن ورغم التحديات فإنها لم تثنِ السيدة نوال عن المضي قدماً في مسيرتها النضالية، وخاصة فيما يخص قضايا المرأة، فقد أصدرت كتابها بعنوان “امرأة عند نقطة الصفر” عام 1975م، والتي تعرضت بموجبه للسجن لمدة ثلاث سنوات.
ونتيجة ما تخلفه عمليات الختان من تشوهات بالأعضاء التناسلية، وبالإضافة إلى الأضرار النفسية وفقدان العديد من الفتيات لحياتهن، واستمرار المناشدات والمطالبات النسائية بإلغائه في المحافل الدولية، حيث طرحت السيدة ستيلا أوباسانجو في مؤتمر اللجنة الأفريقية الدولية المعنية بالممارسات التقليدية التي تؤثر في صحة المرأة والطفل، وذلك في مايو 2005 ومن ثم تبينيها من قبل الأمم المتحدة، وذلك بالسعي لجعل العالم يعي مدى خطورة ختان الإناث وتعزيز القضاء على ممارسة هذه العادة الضارة والخطيرة التي تتعرض لها فتاة كل 15 ثانية في مناطق مختلفة من العالم.
والدول التي حققت أعلى نسبة من حيث إجراء عمليات الختان من بين الدول الشرق الأوسطية والأفريقية، ازدادت فيها المطالبات النسوية والشعبية بوضع حد لهذه الجريمة بحق النساء والإنسانية ولما لها من تداعيات سلبية على النساء والمجتمع.
وقد استجابت بعض الدول والحكومات لمطالب شعوبها، الحكومة المصرية نموذجاً، ففي عام 2008 أقرت قانون 242 لمنع الختان. وفي يناير عام 2021م أجرت تعديلات على قانون الختان، والذى يتضمن تعديل بعض أحكام قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937، لتقرير عقوبة رادعة حيال جرائم ختان الإناث، والتعديلات جاءت في المادتين (242 مكرراً)، و(242 مكرراً)، حيث نص التعديل في المادة (242 مكرراً) على أنه “يُعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات كل من أجرى ختاناً لأنثى بإزالة جزء من أعضائها التناسلية أو سوّى، أو عدّل، أو شوّه، أو ألحق إصابات بتلك الأعضاء، فإذا نشأ عن ذلك الفعل عاهة مُستديمة، تكون العقوبة السجن المشدد، لمدة لا تقل عن 7 سنوات، أما إذا أفضى الفعل إلى الموت، تكون العقوبة السجن المشدد، لمدة لا تقل عن 10 سنوات”. ، ليشكل رادعاً أكثر صرامة أمام محاولات لممارسة هذه الجريمة التي راح ضحيتها المئات.
ففي الوقت التي تخطو فيه معظم الدول والمجتمعات للوقوف على حقوق النساء وإنصافهن وتلبية لمطالبهن، بينما نشاهد تراجع الدولة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية بشكل ملحوظ في مجال الحريات والحقوق الفردية، والتوجه نحو المزيد من الديكتاتورية وممارسة العنف وبشكل خاص حيال النساء، وحتى تتمكن من حماية نفسها من أية مسألة قانونية، فقد انسحبت تركيا من اتفاقية دولية لحماية النساء من العنف.
الاتفاقية التي أبرمها المجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي، أو ما يعرف بـ”اتفاقية إسطنبول”، عام 2011 في تركيا والتي كانت من أوائل الدول التي وقعت على هذه الاتفاقية مع 44 دولة أخرى، وتتضمن تشريعات ضد العنف والاغتصاب الزوجي، وختان الإناث.
وانسحاب تركيا شكل حالة من الاستياء والاستهجان لدى العديد من الأوساط الدولية والحقوقية والإنسانية، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على مؤشر خطير بخصوص تراجع الحريات والحقوق الفردية، وحكومة أردوغان لم تستجب لنداءات الناشطين وتحذيرات الجهات الحقوقية مما سيجلبه قرار الانسحاب هذا من انعكاسات سلبية، في ظلّ تصاعد العنف المنزلي وجرام القتل ضد النساء في تركيا بشكل خاص في العام الماضي.
ونتيجة لممارسات حكومة العدالة والتنمية غير القانونية والمجحفة بحق النساء، تنوعت نضالات النساء مستخدمة جميع أساليبها السلمية والبعيدة عن العنف لمناهضة العنف الممارس بحقها.
فالمغنية هيلين بولاك التي فقدت حياتها بعد 288 يوماً من الإضراب المفتوح عن الطعام في السجن للمطالبة برفع القيود المفروضة من قبل الحكومة التركية عن مجموعتها الموسيقية بتهمة الإرهاب.
والمحامية إِبرو تيمتك التي عبرت عن رفضها للحكم الجائر بحقها، حيث قضت محكمة تركية بسجنها لمدّة 13 عاماً و6 أشهر على خلفية اتهامها بالعضوية في جماعة يسارية محظورة لدى أنقرة، عبر الإضراب عن الطعام استمر 206 يوماً والتي فقدت حياتها أثر ذلك.
ممارسات حكومة العدالة والتنمية بحق النساء لم تتوقف ضمن حدودها الجغرافية، فقد تعدت، وذلك عبر استهداف النساء في دول الجوار ضاربة جميع العهود والمواثيق الدولية عرض الحائط، سواء باستهدافهن مباشرة أو عبر الجماعات والفصائل الراديكالية المتطرفة المدعومة تركياً، وهناك أمثلة كثيرة حول خروقات حكومة العدالة والتنمية والفصائل الإرهابية التابعة لها، ولكن أكثر القضايا التي لاقت استنكاراً شعبياً ودولياً قضية التمثيل بجسد بارين كوباني، المقاتلة الكردية في وحدات حماية الشعب أثناء العدوان على عفرين تحت مسمى غصن الزيتون، واغتيال السياسية الكردية هفرين خلف الأمين العام لحزب سوريا المستقبل عام 2019م أثناء غزوها على منطقتي سري كانيه وكري سبي تحت مسمى نبع السلام.
ومؤخراً صدار الحكم بالمؤبد على المقاتلة الكردية ضمن وحدات حماية المرأة جيجك كوباني التي وقعت أسيرة وهي جريحة بيد فصائل مرتزقة مدعومة تركياً ليتم نقلها لتركيا ومحاكمتها وفق القوانين التركية وهي سورية الجنسية.
حان الوقت للجم تركيا وممارستها المنافية لجميع المواثيق والقوانين والأعراف الدولية، وخاصة في ظل قيادتها للإسلام السياسي العالمي ودعم الفصائل الراديكالية المتطرفة كأمثال داعش وأخواتها من القاعدة وجبهة النصرة والإخوان، ونصرة قضية المقاتلة جيجك كوباني وآلاف النساء اللواتي يقبعن في السجون التركية ويتعرضن لشتى أنواع العنف في ظل غياب أي رادع قانوني.
السؤال الذي يطرح نفسه هل سيقوم المجتمع الدولي بمسؤولياته الأخلاقية والإنسانية، وذلك من خلال دعم وإنصاف قضية جيجك وتقديم الجناة للعدالة، الفتاة التي حاربت أعتى تنظيم إرهابي “داعش” نيابة عن البشرية جمعاء أم سيكون مصيرها مثل أخوات ميرابال وهفرين وغيرهن الكثيرات اللواتي لم ينصفهن التاريخ وضاعت أسماؤهن بين صفحاته وأصبحن طي النسيان، ولحين صحوة الضمير نكون خسرنا الآلاف من النساء!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.