سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

حمامات سوريا ملاذ الأهالي من صقيع الشتاء  

يستقبلك المكان بوقع “طرطقة” قبقاب خشبي على أرض رخامية تستحضر معها ذكريات الزمن الجميل بمشية “غوار الطوشة”، صبي الحمام المشاكس في مسلسل حمام الهنا الكوميدي، حيث أمتع متابعي العالم العربي بمقالبه داخل حمام حارة شامية عتيقة.
ومن حال الكوميديا في زمن الأبيض والأسود إلى حال تراجيديا الحياة المعيشية الراهنة للمواطن السوري، ذات اللون الكاحل السواد بأيامه الباردة، فقد بلغ به الواقع مبلغاً أليماً من ضنك العيش في الغذاء والدواء، وصولاً لنيل قسط من الدفء المنعدم عقب انقطاع مواد التدفئة كالمازوت المنزلي عنه، وغلاء ثمنه في الأسواق الموازية أو ما تسمى (السوق السوداء) جعله بعيد المنال، ومقتصراً على ميسوري الحال في المحافظات التي تُسيطر عليها حكومة دمشق.
معركة بين البرد والدفء
في غضون ذلك يجترح الشارع السوري حلوله من واقع مرير، وكأنهم يخوضون معركة بين الحياة والموت، مدافئ بيوت دمشق والمدن الأخرى وصولاً إلى ساكني المخيمات، خوت من المواد المشغلة لها، فكل البدائل كالحطب من الأشجار اليابسة أو الخضراء ارتفعت أثمانها.
وفي وقت لم يعدم أرباب البيوت أيّة وسائل لحشو مدافئ تعمل على المازوت وكل ما تصل أياديهم إليه، ليس وحده خشب أثاث المنزل، بل أوراق وكرتون وأكياس النايلون وأقمشة وملابس قديمة وغيرها، أي شيء ينفع للاشتعال، يكفي أن ترى العائلة المتحلقة حول المدفأة الباردة وهجاً يخرج من نافذة المدفأة الزجاجية، ولو ببصيص يعيشون أوهام الدفء لبرهة في مشهد يقترب كثيراً من قصة الطفلة الشهيرة “بائعة الكبريت”.
تزايد نسبة زبائنهم
وبالعودة إلى “حمام السوق” بكل ما يحمله من شكل تراثي وتقليد شعبي معروف لدى جيل الآباء والأجداد، بات اليوم مطلباً في الأيام الباردة، بعد أن ألغى معظم الناس من قاموس حياتهم إشعال مدفأة حمام البيت، وزادت نسبة إقبالهم على تلك الأماكن.
ويجزم مالكو عدد من الحمامات في دمشق وحلب، بتزايد نسبة زبائنهم على رغم اعتبار فصل الشتاء موسماً سنوياً كنوع من السياحة الشتوية كما درجت العادة فإن ارتفاعاً ملحوظاً بدا عن الحد المعتاد.
يرجع صاحب حمام النحاسين بحلب، إبراهيم قطان، ارتفاع نسبة الزبائن نحو حمامات السوق لكونه شكّل خلال الآونة الأخيرة ملاذاً لكثيرين بسبب العوامل الاقتصادية والمعيشية، ومن جهة أخرى فهو بمثابة تقليد شعبي، مُقدراً نسبة زيادة الإقبال بـ25 في المئة، وقال: “في حين يطلبون السفر برحلاتهم إلى البحر والمزارع للاستجمام صيفاً، سيكون الحمام مطلبهم شتاءً”.
“نعيماً” بعد طول انتظار
“نعيماً” كلمة يتردد صداها على مسامع زبائن الحمام المتحلقين حول نافورة تتوسط المكان في قسم منه يطلق عليه “البراني” داخل حمام سوق يقع شمال سوريا بمدينة عُرفت بحماماتها التراثية الشهيرة.
حمام النحاسين بمدينة حلب يلجُّ المغتسلون إليه أفواجاً، فلا متعة للحمام إلا بالصحبة أو (الشلة) كما يعتقد الشاب فيصل، لكن الوضع الراهن فرض زيادة القدوم إليه مرة أو مرتين طوال فصل الشتاء.
ويحكي الشاب أثناء احتساء الشاي مع أصدقائه بعد الاغتسال بالمياه الدافئة، أن كلفة الحصول على ليترات قليلة من المازوت غير متوفرة، فالليتر الواحد يناهز 15 ألف ليرة ما يعادل دولارين: “ولإشعال موقد حمام المنزل يعني استهلاك بين ثلاثة إلى أربعة ليترات من المازوت ما يكلفني 60 ألف ليرة، أي أربعة دولارات، بينما الذهاب إلى الحمام لا يتعدى ما يعادل دولارين ونصف، إضافةً إلى الاجتماع مع الأصحاب”.
عامل الحمام الملقب أبو مهر متخصص منذ عقود بمهنة “المكيس”، حيث تتعامل يده التي تحمل ما يسمى “كيس التفريك والتلييف” بعد اغتسال الزبائن، ويرى أن نشاطاً ملحوظاً للحمام ليس اجتماعياً فحسب، بل واقتصادياً: “جميعنا نلاحظ عودة الناس إلى حمام السوق كما كان سابقاً، بعد أن كان الحمام قبل ذلك تقليداً يقتصر على حمام العرس”.
ويرى القطان صاحب الحمام أنه: “قبل وصول الحمامات إلى المنازل كان الناس يتوافدون إلينا في أوقات خاصة بالنساء أو أخرى للرجال، مرة خلال الأسبوع طلباً للاستحمام، يحملون ما لذَّ وطاب”.

بين الحاجة والترفيه
وإزاء ذلك لم يعد حمام السوق طقساً تراثياً يتقاطر إليه الناس في المناسبات الاجتماعية كالأعراس أو لأجل رفاهية المكان، ومتعة الوصول إلى مكان تفوح منه روائح صابون الغار الحلبي والعطور وأبخرة تتصاعد تنعش الرئة، أو لقصد اللقاءات الاجتماعية، بل تحوّل إلى حاجة كما يراها أبو زيد، وهو رجل ستيني يواظب على الحضور إلى الحمام مرة كل شهر.
وقال أحد الزبائن في الحمام: “كم كان لهذا المكان ذكريات في مخيلة الطفولة، لكننا اليوم نحاول الالتفاف وضغط المصاريف الزائدة، إذ مع عدم توفر المازوت وزيادة التقنين الكهربائي الذي يصل إلى ساعتين في اليوم الكامل لا يوجد لدينا حل إلا القدوم إلى هنا”.
في السياق ذاته، تثير حمامات السوق في المدن السوريّة إعجاب كل من يدخلها، بطريقة تصميمها وبنيتها المعمارية، لا سيما الدمشقية في الجنوب والحلبية في الشمال، حيث بناها المعماريون القدماء وأضافوا فنون زخرفتهم وإكساءً مميزاً لهم، خصوصاً في العهدين الأموي والأيوبي، كما يوثّق المؤرخون.
وعلى كتف جدران خشبية مُعتقة يتكئ المغتسلون بعد ارتداء ملابسهم، يشربون ما تيسر من قهوة أو شاي أو زهورات، كما جرت العادة، أو ينفثون الأرجيلة وينظرون إلى فناء الحمام وإلى فضاء سقفه، يفكرون بحال معيشتهم، ويتذكرون الكلمة الشهيرة لديهم “الله يفرجها” ويتابعون الاستماع إلى صوت مطرب الحمام، ولسان حال الجميع يسأل، متى تعود المياه إلى مجاريها ثانيةً؟
وكالات