سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الخيانة والتخوين عند الكُرد

محمد أمين_

عندما نقرأ تواريخ الشعوب وأمم العالم أجمع، منذ بدء البشرية إلى يومنا هذا عن مسألة الخيانة والتخوين، لا نجد اختلافاً كثيراً.
إن الخيانة في كل الأعراف والتعاريف، هي انتهاك أو خرق لعهدٍ أو أمانةٍ والإخلاف بهما، ولو أسقطنا هذه الصفة على الساحة الكردية؛ نرى أن تاريخ الشعب الكردي مليء بالبطولات على الرغم من أن قلم المستبد أسدل السِّتار على هذا التاريخ وحرَّفه في الكثير من المواضع.
وتلك الحقيقة في البطولات والانتفاضات التي ملأت صفحات الشعب الكردي، كان دوماً يوازيها ويشوِّشُ على مسارها خط الخيانة والتخوين في محاولة لإطفاء شعلة الحرية في صدور الساعين إلى الحياة. لقد زرع العدو حالةَ عدم الثقة بالنفس في الشخصية الكردية، وقد تحول الكُردي إلى مجرد “عسكر أو عميل” في ذهنية هذا العدو، وخاصةً في الدول التي تحتل جغرافية كردستان، حتى أنه بات يتردد بين أوساط الكُرد الكثير من المقولات التي تنتقد اختلافهم وتفرقهم وتعاملهم الحاد فيما بينهم وانقساماتهم وعدم قدرتهم على العمل الجماعي.
وللوصول إلى بيئة صحية لحل المشكلات بسهولة وتطبيق التعاون والحوار؛ قمنا بجمع آراء شريحة من الشخصيات المختلفة حول الموضوع المطروح “الخيانة والتخوين”.
مفهوم الخيانة: رغم عدم اتفاق علماء النفس على وضع تعريف محدد للخيانة، لكنْ يمكن القول إن الخيانة في مفهومها البسيط تعني: تصرف لا أخلاقي لدى جميع الأديان وجميع الثقافات، وينعكس ذلك سلباً على المحيطين بالشخص الخائن؛ لأنه يعتبر شخصاً غير جدير بالثقة والأمانة، والخائن هو شخص أناني لا يراعي مشاعر غيره ويتصرف تبعاً لمصلحته التي يفضلها.
الخيانة ظاهرة تظهر في جميع المجتمعات وبأشكال مختلفة، والإنسان ينتمي إلى بيئات مختلفة وأنماط حياة متعددة لذا لابد أن يتكون لديهم آراء وأفكار مختلفة وهذا يؤثر على نفسية الفرد وتتشكل لديه صفات تميزه عن غيره سواء إيجاباً أم سلباً في المجتمعات.
أما بالنسبة للمجتمع الكردي الذي تعرَّضَ وعلى مرِّ التاريخِ لسياسة الإبادة والصهر والاغتراب عن هويته الاجتماعية وتجزئتها بين أربع دول لكلٍّ منها سياستها الخاصة في ممارسة الحرب الخاصة لقمعه، كل ذلك أدى إلى أن يعيش الشعب الكردي حياة البساطة والغفلة معاً نتيجة عدم الوعي والمعرفة الكافية لما يجري حوله من النظام العالمي.
ونتيجة عدم تقبلهم من قِبل الغير يلجأ البعض من الكرد إلى تقديم التنازلات وإنكار ذاتهم وهويتهم وخيانة مبادئهم، فالغفلة هي حالة خيانة عابرة عند البعض وبينها وبين الخيانة خيط رفيع. أما “الخيانة والتخوين” فهما حالة ظاهرة وممتدة مبنية على تلبية المصالح الاقتصادية والسياسية….. إلخ. بينما لدى الكرد على وجه الخصوص لهما عدة أوجه.
الاغتراب الاجتماعي وهو الأهم في المجتمع الكردي أكثر من غيره ويأتي نتيجة الصهر والإبادة الثقافية وإنكار القومية واللغة والتاريخ الممارس عليه؛ مما يخلق لدى البعض التلاؤم مع سياسة الصهر والإبادة والابتعاد عن الوعي والمعرفة وعن المقاومة والحرية وعن أرضه وإنكار هويته وذاكرته الاجتماعية؛ حيث:
– يخلق منه شخصاً مادياً بعيداً عن المعنوية، مغترباً عن مجتمعه وهويته، ضعيفاً، يحارب لأجل أشياء بسيطة وتافهة ويرتكب خيانة بحق المجتمع الذي ينتمي إليه وهي أهم ظاهرة لدى المجتمع الكردي على وجه الخصوص.
2- حالة الغفلة الشائعة بين المجتمع الكردي.
3- اتخاذ القرارات المتذبذبة عند البعض وهي لإرضاء الغير وتمرير مصالحه وفرض آراء مرتبطة بالعدو.
 4- الخيانة المادية المتعمدة والعظمى وهي التنازل عن جميع المبادئ الإنسانية للحفاظ على المصالح الاقتصادية والسياسة التي تخدم العدو وتضرب مصالح الشعب عرض الحائط.
حالات الاختلاف بين الأحزاب سِمة جيدة، بينما الخِلاف عكس ذلك حيث يؤثر على مصالح المجتمع ويؤدي إلى ارتكاب الخيانة، فالحياة دائماً مبنية على خطين: خط الخيانة يقابله خط المقاومة لذلك نقول المقاومة حياة، حيث أن خط المقاومة لدى الكرد هو استراتيجية وهو الخط الأقوى، وهذا ما جعل الكرد باقين رغم القساوة التي عانوها وهم الآن “وفي ظل الحرب العالمية الثالثة” أصحاب المشروع الديمقراطي السياسي الأخلاقي الإنساني النابع من فلسفة القائد عبد الله أوجلان، لذلك نستطيع القول بأن الخيانة هي ظاهرة مجتمعية سواء عند الكرد أم غيرهم.
والتقت هذه الآراء في قواسم مشتركة وهي: عندما نتحدث عن هذين المصطلحين اللذين رافقا الكرد على مرِّ الزمن وما عانيناه من هاتين الصفتين، نلاحظ أنهما كانتا السبب دائماً بإقصائنا؛ رغم أننا أكبر مكونات منطقة الشرق الأوسط، بل نحن أصحاب الحضارة التي لم يكتبها التاريخ؛ لذلك نتعجب عند طرح هذا السؤال هل “الخيانة والتخوين حالة عابرة أم ظاهرة؟”
أنا أراها باتت ظاهرة وحالة عابرة وتصرفات فردية وجماعية في آنٍ واحد، حيث عملت القوى التي استعمرت جغرافية كردستان على فرض هذه الظاهرة التي تحولت إلى حالة؛ فالكُرد الذين مُزِّقت أرضهم إلى أربعة أجزاء بات تفكيرهم أكثر من أن يكون شمولياً، وبحكم فشل كل الثورات التي كانت مبنية على أساس إما جزئي أو عشائري أو مناطقي وديني، وكانت أولى الخيانات لدى الكرد عندما تركوا دينهم ووقفوا مع الأعداء ضد دينهم، وفي شخصية “قاضي الخطي” الذي أفتى للقادة الكرد بحرمة محاربة السلطان العثماني، واتسع الشرخ من الداخل.
عمل المغتصب على كسب حفنة من الكرد لضرب تلك الثورات؛ لذلك مشكلتنا ككُرد تكمن في منطق التفكير الضيق الذي لا يتخطى حدود العشيرة؛ لذا بتنا نخون أو نخوِّن بعضنا البعض. وأؤكد أن الحالة كانت عابرة لكنها الآن تغلغلت في عمق الكرد، وما نحن عليه الآن وخاصةً بعد أن حصل إقليم كردستان على نوع من أنواع الاستقلال بات يخون باقي الأجزاء؛ رغم أن الخطورة متربصة به قبل باقي الأجزاء، وكما كان للشخصية الكردية الدور الذي أوصلنا إلى هذه الحالة.
يمكن توصيف ذهنية الإنسان الكردي المقهور بعدة صفات، منها: عدم القدرة على الفهم، والعجز عن توكيد الذات في مواجهة الأخطر، والتردد والخوف من الاختبار والفشل، والميل للتعسف في الأحكام هرباً من العجز، وإطلاق الأحكام المسبقة والآراء المتسرعة، وضعف الثقة بالنفس. انعكس كل ذلك على ترسيخ ذهنية التخوين وبشكلٍ مُخزٍ وقاسٍ بين الكرد وعلى مرِّ المراحل الزمنية، فالكثير منا لجأ إلى إقصاء الآخر المختلف بالعقيدة أو الإيمان أو الأيديولوجيا أو التوجه السياسي عن طريق التخوين المباشر أو غير المباشر؛ إما عبر النقاش وجهاً لوجه أو عبر وسائل الإعلام وبشكلٍ خاص عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وصار من السهولة بمكان إلصاق وَصْفِ الخائن بأي شخص نختلف معه بأي شيء، وقد بلغت تداعيات هذه الذهنية حد تدمير مختلف العلاقات الإنسانية، وهذا ما يسعى إليه الاحتلال لضرب الشعب الكردي ببعضهم البعض.
ولولا الخيانة لكان للكرد وطناً مستقلاً مثل سائر شعوب العالم، ولهذه الخيانة بين صفوف الكرد أثر كبير حتى أصبحت واقعَ حالٍ ومشكلة حقيقية جعلت المجتمع الكردي في شتات ودون وطن.
أما التخوين فيمكن اعتباره حالة عابرة يمكن إصلاح حال من يلجأ إليه، حيث يمكن أن يكون من بين الذين يتم تخوينهم أبرياء.
الخلاصة:
تختلف كلمة الخيانة بحسب أحداثها وشخوصها وأماكنها، لكنها تتفق على أمر واحد وهو أن الخائن يبيع قيمته كإنسان من أجلِ مُقابِلٍ ما، وفي أغلب الأحوال ما يبيعه الخائن إما “شرف أو ذمة أو دين أو وطن”.
ما تعرَّض له الشعب الكردي عبر التاريخ من سياسات الإبادة الجماعية وإمحاء الثقافة نتيجة التقسيمات الجغرافية لكردستان على يد القوى الإمبريالية وتمرير سياساتها وتجريد الكرد من ثقافتهم ولغتهم، أصبح الكرد أداة بيد الأعداء يستخدمونهم لتنفيذ مشاريعهم على حساب الدم الكردي عبر ضرب الكرد بعضهم ببعض.
ومن الأسباب التي أدت إلى حالة الشرخ وتعميق “الخيانة والتخوين” داخل المجتمعات الكردية في جميع أجزاء كردستان هي:
1ــ أسباب داخلية تتعلق بالتغيرات التي طرأت على المجتمع الكردي عبر تاريخه الى اليوم الراهن.
2- غياب الأمن الاجتماعي.
3- ضعف الثقة بالنفس وحالة الخوف “ذهنية الإنسان المقهور والمضطهد”.
4- الاحتلالات والاتفاقيات.
 5- أسباب خارج المجتمع الكردي، تغيرات ثقافية وفكرية ونفسية “التهجير والهجرة”.
6- تأثير مواقع التواصل في تشكيل الرأي العام عبر دوائر الحرب الخاصة.
ما ذكرناه هي بعض جوانب المشكلة حسب الآراء، ولكن يبقى الجانب الأهم، وهو كيفية المعالجة والحل وعدم الوقوع في الأخطاء قدر المُستطاع.
إننا ككرد نحتاج إلى إعادة بناء الثقة والالتفاف حول مصلحة شعبنا كقومية تتعرض للإبادة والانصهار؛ لذلك لا حل سوى إقامة مؤتمر قومي كردستاني لنبذ جميع الخلافات.