البو كمال…عروس الشرق السوري

45
إعداد/ عبدالرحمن محمد –
في أقصى الشرق السوريّ وعلى مسافة أقل من ثمانية كيلومترات من الحدود العراقيّة السوريّة تقع مدينة البوكمال، التي تتبع إداريّاً لمحافظة دير الزور، وتتوسد ضفة الفرات الغربيّة.
الموقع والأهميّة:
تقع البوكمال في منطقة سهليّة على خط عرض 532 شمال خط الاستواء وترتفع عن سطح البحر حوالي 165 متراً وتبعد عن دير الزور 140 كم، مناخها شبه صحراويّ فهي في منطقة البادية، تتفاوت فيها درجات الحرارة الموسمية واليومية فيها، وأمطارها قليلة لا تتجاوز في معدلها السنويّ 150مم.
عُرفت البوكمال تارة باسم «النحامة»، فيما يعيد البعض تسميتها إلى اسم القبيلة العربيّة الأكثر نفوذاً وعدداً فيها وهي «أبو كمال» التي كانت تسكنها منذ القدم، وعُرفت المدينة باسمهم وحُرفت إلى «البوكمال» وهي من المدن الحديثة نسبيّاً، فقد تحوّلت عام 1864م. إلى مركز ونقطة عسكريّة تركيّة هامة، وعرفت بـ «القشلة» أي الثكنة العسكريّة. وكانت الغاية منها إيقاف أعمال النهب والسلب التي كانت تتمُّ في مناطق الفرات وإيجاد نقطة لتجميع المؤن والخيرات والمحاصيل الزراعيّة، وبخاصة في بدايات القرن العشرين والمجاعات والقحط والحروب وسياسة التتريك، حيث كان البطش والقمع وانتشار الرشوة والفساد في كلِّ شيء، وما زالت الذاكرة الشعبيّة في البوكمال تحفظ مئات القصص عن الجوع والفقر المميت وبالأخص ما سُمّي بـ «سنة الجوع عام 1916م».
ولتوسط المدينة بين البادية والمناطق الأكثر تحضراً وتواجداً لأسباب المعيشة على ضفاف النهر، نشطت فيها الحياة بكلِّ مرافقها الاقتصاديّة والاجتماعيّة التجاريّة فأصبحت نقطة تبادل والتقاء بين البادية والمدينة وبين مجتمع رعويّ وآخر متمدن ومتحضر، فانتعشت فيها الأسواق والمهن اليدويّة والصناعات اليدويّة والمنزليّة كالصناعات والحرف الخشبيّة وورش تصليح السيارات وصناعة لوازم البدو والأدوات الزراعيّة والبسط والسجاد اليدويّ.
البوكمال تاريخ من المقاومة:
كانت معاناة البوكمال كما باقي المناطق السوريّة من احتلال عثمانيّ قاهر استمر لقرون وفي عام 1918م. وبعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالميّة الأولى، انسحبوا من البوكمال. وكانت أرتال جيوشهم تنسحب عبر ضفاف نهر الفرات وتتلقّى بعض الهجمات أحياناً، فطوتِ المدينة صفحة سوداء من تاريخها.
بعد انسحاب العثمانيين بدأت الأطماع الانكليزيّة والفرنسيّة تتضارب في سوريا وبخاصة في منطقة الفرات وسرعان ما تخلى الانكليز عن وعودهم ودخلوا البوكمال، وسبق ذلك تحضير وتخطيط مسبق فقد استخدم الانكليز الحرب النفسية والجواسيس، وسياسة الترغيب والاغراء المادي والمعنوي، وكانت المؤن والأرزاق كفيلة باستمالة البعض إليهم وتأييدهم، فيما عملوا من جهة أخرى على بث العيون والجواسيس بين الناس للدعاية لهم ونقل المعلومات، وذلك من خلال الضباط والاستخباراتيين وفي زي مستشرقين ودارسين تارة ومتسولين ومتسكعين ودراويش في أحايين أُخر. وما زال اسم الدرويش «نجيمان- الحاج لقلق» والعديد سواه محفوراً في ذاكرة أهالي البوكمال.
بعد التدخل المباشر للجيوش الانكليزيّة في مناطق البوكمال واتضاح حقيقة المآرب الاستعماريّة لها شبّت نار الثورة في البوكمال، وجرت معارك عديدة في «الصالحية ووادي علي وتل المدكوك» في شتاء وربيع عام 1919م، وكذلك في النسوريّة حيث قررت «الدميم والشعيطات والعشارة والمجاودة والعكيدات التصدّي للإنكليز، الذين تكبدوا خسائر فادحة مادية وبشرية، وبينما جن الانكليز إثر الخسائر الكبيرة فإنهم قاموا بقصف قرى منطقة البوكمال كافة وعرف ذلك العام1919م. بسنة الدان، كان ذلك كافياً لانسحاب الانكليز من مناطق الفرات في الأراضي السوريّة في 27 كانون الأول من عام 1919م.
وفيما يخصُّ نضال البوكمال إبان الانتداب الفرنسيّ، فقد دخلت القوات الفرنسيّة البوكمال عام 1921م وأولت البوكمال أهمية خاصة واستفادت من تجربة الانكليز فيها فقامت على تقوية جهاز الاستخبارات السريّة، ومد المفارز الفرنسيّة والشرطة بعناصر محليّة، كما ضمّت بعض الأهالي لسلك الاستخبارات والاستفادة من معلوماتهم ومعرفتهم بالمنطقة، وتشكيل ما عرف بـ «الميرا» لجمع المحاصيل الزراعيّة، إجراء احصاءات للسكان عام 1922م وتجديد سجلات الأحوال المدنية، تركوا الإدارات العامة كالقائمقاميّة، والنفوس، والقضاء الشرعيّ، والأوقاف، والبلدية بأيدٍ عربيّة دونما سلطة تذكر، تلبية الدعوات وحضور الأعراس والأعياد الدينيّة، والاختلاط بشرائح المجتمع.

وكما شجّع الانكليز عشائر العراق على غزو الحدود والعشائر السوريّة عمدت فرنسا إلى تشجيع عشائر سوريّة للإغارة والغزو على قبائل العراق. وأثناء الحرب العالمية الثانية شهدت مناطق البوكمال نزاعات ومناوشات بين الانكليز وأهالي المنطقة وتكبَّد الانكليز فيها خسائر كبيرة من جديد، كما كانت النزاعات بين الفيشيين والديغوليين لكسب تأييد الجيش الفرنسيّ في سوريا، وتعرضت القوات الانكليزيّة التي وصلت مشارف دير الزور لقصف مدمّر من قبل الطائرات الألمانيّة، وكان للبوكمال دورها الواضح والمميز في الفترة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية حتى جلاء القوات الفرنسيّة الكامل من سوريا عام 1946م.
النشاط السكانيّ في البوكمال:
تعتمد المنطقة على الري بالضخّ في زراعتها لقلة الأمطار، وتجود زراعة القطن والحبوب والبقوليات والخضار بأنواعها، والأشجار المثمرة وبخاصة الرمان والتفاح والمشمش والتين والأجاص والخوخ والكرز وأنواع أخرى من الفاكهة، كما يكثر فيها «الكمأة-الفقع» وهو نوع من الفطر غير الزراعيّ الذي تشتهر بها مناطق معينة بأجود الأنواع التي تتميز بقيمة غذائية عالية، ويعرف منه « الأحرق والزبيدي والجب والشيوخ والهور».
كما تجود تربية الحيوان كالأغنام والابقار وتربية الخيول العربية الأصيلة وكذلك تربية الاسماك إضافة إلى الصيد النهريّ وأنواع السمك المميزة من أسماك المياه العذبة التي يقل مثيلها في العالم كالفرخ (الجزر) والبوري والبني والروميّ والمجنّس والخشيني وأبي الزنير والجري وأبي حليق والمشط والكادب والتريس بالإضافة إلى السلاحف الضخمة التي تسمى الرفش، إضافة للطيور المائية كالبط والأوز والمنيّل والصويلحة والطبن والكركي وحمام أزرق والواغ والنورس والتعاجة والشرشوحة والعصافير والبلابل وعروس الشمس..
كما تضم البادية عشرات الأنواع من الحيوانات شبه النادرة والطيور كالقطا والكدري وعبيد القطا والحبارى والرخم والصقر والجوسيه والوكري والحجل والحبرم والحمام البريّ والباشق وأبي جراد والنسر والخضر والسنونو والصعو والمطواق والزرزور وحمام السواح والزاغ والعقعق والعقاب وغيرها الكثير.