أفاميا .. منارة التاريخ والعلوم

206
إعداد/ عبدالرحمن محمد –
في موقع رائع المنظر، وفي مفترق طرق بين ثلاث من كبرى مدن سوريا «حلب ودمشق واللاذقية» تقع «أفاميا» القريبة من قلعة المضيق، والتي تمتد بتاريخها إلى عصور ما قبل التاريخ، وقد أسسها وأنشأها سلوقس نيكاتور وأطلق عليها اسم زوجته «أباميا»
كانت أفاميا زمن السلوقيين حصناً منيعاً وكان سلوقس نيكاتور قد جعلها ملاذا لأكثر جيوشه، ويحتفظ فيها بأكثر من خمسمئة فيل في حصونها، ولمدينة أفاميا مخطط يشبه الشطرنج يخترقها شارع رئيسي من الشمال إلى الجنوب بطول 1850 م وعرض 5، 37 م وقد أقيمت على جانبيه الأبنية من حمامات ومعابد وقصور وأسواق تجارية ومسارح.
عُرفت أفاميا عبر العصور بمسرحها الذي يعد من أكبر المسارح في العصر الروماني وكشفت التنقيبات عن أسوار المدينة مع أبراجها المربعة، ويعتقد الخبراء أن القسم السفلي للأسوار يعود للعصر الهلنستي، أما الأقسام العلوية فتعود إلى العصر الروماني.

أصل التسمية:
بُنيت أفاميا لعدة مرات وتمت السيطرة عليها من قبل الروم والسلوقيين والعرب، وأعيد تأسيس المدينة زمن سلوقس الأول نيكاتور (300 ق.م) تحت اسم أفاميا نسبة إلى زوجته (أباما) حيث أصبحت العاصمة العسكرية للمملكة السلوقية وكانت ذات شأن كبير.
خضعت للرومان بعد فتح سوريا (64 ق.م) ثم خضعت للبيزنطيين ثم إلى العرب المسلمين الذين دخلوها عام 638م. استولى عليها الصليبيون وضمت إلى إمارة أنطاكية ثم استرجعها نور الدين زنكي بعد أن دمرت المدينة تدميراً كاملاً بالزلزال الذي ضرب المنطقة 1157م ـ 1170م.
أوابد وشواهد:
تحتضن أفاميا معالم وأوابد قل نظيرها ومنها خان أفاميا الشهير الذي يقع في نهاية السفح الجنوبي الغربي لجبل الزاوية على ارتفاع 226م من سطح البحر، وقد كان خاناً للحجاج والمسافرين، أنشئ في عصر السلطان العثماني سليمان القانوني، مساحة الخان حوالي سبعة آلاف متر مربع ويتكون من بناء ضخم مربع الشكل يبلغ طول ضلعه 83 م. تتوسطه باحة واسعة مرصوفة بالبلاط الحجري وفيها منهل ماء عمقه سبعة أمتار كانت تصله المياه عبر أقنية فخارية من البحيرة الواقعة إلى الغرب من الخان وعلى بعد 100م.
أما طراز البناء فقد بنيت جميع القاعات والغرف بالحجارة الكبيرة، مسقوفة بأقبية برميلية الشكل تحملها عقود حجرية نصف دائرية في كل الغرف والأجنحة يوجد مواقد ومصاطب عريضة يستعملها الحجاج أثناء سفرهم. ويحوي الخان قاعات وغرف واسعة، وله مدخل واسع كما يوجد فيه جناحان، شرقي وغربي. وتحول فيما بعد إلى متحف للفسيفساء بعد أن قامت المديرية العامة للآثار والمتاحف بترميمه وإعادة الحياة إليه.
ومن أهم الفسيفساء المعروضة فيه لوحة سقراط والحكماء وهو موضوع وثني عثر عليه في الكاتدرائية في الجناح المتوسط منها. .وتعود هذه الفسيفساء إلى عام 362/ 363م. ويبدو سقراط رافعاً يده اليمنى بحركة تعليمية وهو محاط بستة من الفلاسفة الآخرين الشيوخ أي أنهم ليسوا تلامذة.
وربما يمثل هذا الموضوع الحكماء السبعة المعروفين في التاريخ الإغريقي وهو يشابه الموضوع الخاص ببعلبك والمحفوظ في متحف بيروت، وهؤلاء الأشخاص هم: كليو بول، بيرماندر، بياس، تاليس، صولون شيلون. كما اكتشفت العديد من لوحات الفسيفساء وبعضها بقي في مكانه لصعوبة نقله.

قلعة المضيق:
تقع قلعة المضيق غرب مدينة أفاميا وتتربع في منظر مهيب مطل على المنطقة، وهي إحدى القلاع الكثيرة المنتشرة على امتداد جبال الساحل السوري. ويعتقد أن القلعة كانت أكروبولاً لها ثم أصبحت في العهد الروماني موقعاً حربياً، وهي قلعة جميلة تتربع بالقرب من أفاميا.
أما حالياً فيعتبر بناء الحصن عربياً وكذلك طراز هندسته، والبناء العربي للقلعة هو من آثار نور الدين زنكي والقرية التي داخل الحصن كبيرة حافلة بالدور المبنية من أنقاض السور والأبراج ومباني أفاميا القديمة. للقلعة سور عظيم مرتفع على هيئة مضلع غير منتظم، ركبت عليه أبراج كثيرة مربعة الشكل، وللقلعة باب كبير تعلوه قنطرة وحوله برجان مربعان للحراسة.
متحف الفسيفساء:
تعرضت أفاميا في عامي 1157م 1170 م إلى زلزال دمرها تدميراً كاملاً ومنذ الثلاثينيات قامت بعثات التنقيب بالكشف عن خبايا واسرار هامة للغاية، بالتعاون مع المديرية العامة للآثار والمتاحف، كما تم تأسيس متحف للفسيفساء والمكتشفات الأثرية بعد ترميم خانها وتحويله إلى متحف، أيضا تم ترميم الطاحونة والجامع والذين يعودان للعصر العثماني.