ديك الجن… شاعر وأسطورة عصره

66
إعداد/ هايستان روناهي –

لكل مدينة في العالم شخصيات ومفكرين تضرب بهم الأمثال في تاريخ العالم، ولم تُعرف مدينة في العالم باسم  شاعرها، كما عرفت حمص بـ “عبد السلام بن رغبان”، أو “ديك الجن”، الذي كان مولده في حمص سنة 849م، ولم يفارق دياره منتفعاً بشعر ولا متصدياً لأحد، صنع من حياته وشعره أسطورة عربية ترددّت أصداؤها في كل مكان وزمان، وكانت الشخصية القلقة لهذا الشاعر مثار الكثير من الأقاويل والحكايات والقصص، لغرابة أطوارها وتناقضاتها السيكولوجية، وربما كان الوصف الذي أطلقه (ديك الجن) على نفسه ألا وهو (جنيّ في صورة إنسان)، هو الوصف الأدق لهذه الشخصية المميزة الغامضة والمحيرة إلى أبعد حدود الحيرة، فقد عاش (ديك الجن)، حياة لا تعرف المهادنة أو الحلول الوسط، بل تعج بالمتناقضات أيضاً.
 التزامه مدينته، ورفض عروض الأمراء له
ومع حِدة طباعه؛ كان الشاعر الرقيق المبدع، لكنه أيضاً هَجّاء سليط اللسان فور المساس به، ومع اضطرابه وقلقه نراه العاشق المتيم الرومانسي، لكنه قاتل لمن يُحب لمجرد الشك فيه، كبطل هذه التناقضات الغريبة لم يتمكن من أن يحتل مكانة مرموقة بين شعراء عصره، وعلى الرغم من أنه كما قيل عنه أنه لم يغادر مدينته (حمص)، إلا في حالات نادرة، ولم يقصد بلاطات الخلفاء والأمراء مادحاً قط، فشهرته تجاوزت المدينة بل عمت كل بلاد الشام والعراق ومصر، وكان منزل (ديك الجن)، في حمص الذي يقع في حي يُسمى اليوم (باب الدريب)، وكان بيته مقصداً لكبار شعراء عصره.
عجاب كِبار الشعراء لشعره وشخصه
كان ديك الجن مقصد ووجهة الكثير من الشعراء، فقد زاره “دعبل الخزاعي” وقال عنه: (إنه أشعر الجن والأنس)، كما زاره الشاعر الكبير ” أبو النواس”، وهو في طريقه إلى مصر، ويُحكى أنه له قصة طريفة معه، حيث يروى أن أبو نواس عندما اجتاز حمص قاصداً مصر لامتداح (الخصيب)، وسمع (ديك الجن) بوصوله فاختبأ خشية أن يرى فيه (أبو النواس) قصوراً، فقصده في داره، وطرق الباب فقالت له الجارية: “إن سيدها ليس في المنزل”، فعرف أبو النواس الدسيسة فقال لها: “قولي له: أخرج فقد فتنت أهل العراق بقولك: مورَّدة من كف ظبي كأنما تناولها في خده فأدارها”. فلما سمع ديك الجن ذلك خرج إليه، وأضافه أياماً معدودات.
نهاية أليمة لحبه
واشتهر (ديك الجن)، بحب الجارية النصرانية، (ورد بنت الناعمة)، وتمادى به الأمر وغلب عليه هواها، فدعاها إلى الإسلام ليتزوجها فأسلمت لمحبتها له، ولكن لم يكتمل هذا الحب قط، فقد كان ابن عمه السبب في قتله لزوجته، بسبب طمعه بها ورفضها خيانة زوجها(ديك الجن)، فجن جنونه واتهمها بالخيانة، وقُتلت على يد زوجها بعد كل ذلك الحب العظيم، وكانت له مكانة وشعبية كبيرة وصيت بين الناس في عصره، فقد عاش ديك الجن قمة الثقافة والازدهار الحضاري في العصر العباسي، وكان على الشاعر آنذاك أن يكون مثقفاً، ملماً بفنون عصره وعلومه، وقد استطاع أن يكون واحداً من شعراء عصره المثقفين والمبدعين.