تجارب كرديّة في أدب الأطفـال-2

142
عبدالمجيد قاسم/ مركز الفرات –

المرحلة الثانية: أدبيات متناثرة في الصحافة الكردية:
بفعل الحراك الثقافي الذي صبغ فترات زمنية محدّدة من المشهد السوري، نشطت الصحافة الكردية، وأثمرت بعض تجاربها هنا وهناك، وقد نشر بعض الأدباء عبر تلك المنابر جزءاً من نتاجاتهم للأطفال، إنما ليس بالقدر الذي يلبي احتياجاتهم، وأهم هؤلاء الأدباء: Cegerxwîn/ جگرخوين،  أبرز الشعراء الكرد في العصر الحديث، وأهمّ المبدعين الذين انتبهوا لهذا المجال فكراً وموضوعاً، وقد استثمر (جگرخوين) الفلكلور الكردي استثماراً جيداً، فنجد في أولى دواوينه، قصيدة للأطفال هي: (Ji Biçûkan re/ للصغار) يُسلط الضوء خلالها على واقع الشعب الكردي الممزَّق، والتناقضات الثانوية التي يحمله هذا الواقع.. فيسرد قصة: الأسد والنمر والثعلب، إذ يحتكم الأولان إلى الثعلب، الذي يقسّم قطعة الجبن التي وجداها إلى قطعتين غير متساويتين، فيأكل من هذه الجهة جزءاً ومن الأخرى جزءاً، حتى يأتي عليهما بكليتهما، وبسبب انصراف الكثير من المثقفين إلى العمل السياسي في ستينيات القرن الماضي، تراجعت الحركة الثقافية الكردية عموماً، وخفّ ضوؤها كثيراً, بحسب الكثير من المثقفين ممّن عاصروا تلك الحقبة، وبطبيعة الحال قلّ الاهتمام بالكتابة للأطفال القليلة أصلاً، وملأ الصمت مسامعهم خلال فترة طويلة نسبياً، إلا من شذرات متناثرة هنا أو هناك.
المرحلة الثالثة: إصدارات موجّهة للأطفال خصيصاً: 
في العقد الأخير من القرن العشرين، ومع انتشار النظريات التربوية- النفسية الداعية إلى الاعتناء بالطفولة وتلبية احتياجاتها المختلفة، وبحكم التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع الكردي في سوريا، تنامى الاهتمام بالكتابة للأطفال بين الأوساط الثقافية الكردية، وازداد الوعي بأهمية أدب الأطفال في التنشئة الاجتماعية، فواكب بعض الأدباء هذه المعطيات الجديدة، وبدأوا بالالتفات نحو الكتابة الأدبية لهم، خصوصاً أنّ تلك الفترة صاحبتها هامش مساحة من الحريات، دفعت عجلة الأدب بشكل عام، فظهر لأول مرة على الساحة الأدبية الكردية في سوريا نتاج خاصٌّ بالأطفال، وبرزت بعض الأسماء في هذا المجال، ذلك في إطار مبادرات شخصية تمثّلت ببعض الإصدارات الشعرية والقصصية، وتجربة صحافية للأطفال أو أكثر بقليل، وأحياناً بنَصّ أو أكثر ضمن الإصدارات الأدبية للكبار، وعلى الرغم من تواضع عدد التجارب إلى حدٍّ ما، إلا أنها شكّلت مرحلة أساسية لأدب الطفل الكردي في سوريا.
في مجال القصة: صدر كتيبان تضمّنا نماذج من الحكايات الشعبية الكرديّة للأطفال، عام 1991، للكاتبين: المهندس عبد الرزاق أوسي/ Rezo، الذي جمع هذه الحكايات، ود. محمد عبدو النجاري، الذي ترجمها إلى العربية، وحمل الإصدار الأول عنوان: (Dîk, dîko/ الديك الأبيض) والإصدار الثاني: (Libhinarê/ حبَّة الرمّان) ثم صدر للكاتبين ثلاث إصدارات دفعة واحدة عام 2005، جاءت تتمّة للسابقتين، وحمل الإصدار الثالث عنوان: (Bavê hepûn/ الذئب العجوز) والرابع بعنوان: (Şengê û Pengê/ شنگي وپنگي) والخامس بعنوان: (Finda Şemal/ القنديل السحري).
كما خصّص بعض الكتّاب والأدباء جزءاً من نتاجاتهم النثرية للأطفال، رفدوا بها المكتبتين الكردية والعربية بنتاجاتهم، نذكر أهمهم: المرحوم الشيخ توفيق الحسيني، وإسهاماته الكبيرة في الترجمة، وأيضاً إسهامات الكاتبة ديا جوان، وعلى الرغم أنّ هذه المرحلة (التسعينيات) كانت الأكثر ثراءً كمّاً وكيفاً، وشهدت توجّه عدد من الأدباء للأطفال، إلا أنّ كتاباتهم ترافقت مع كتاباتهم للكبار، فكانوا جميعاً كتّاباً للكبار بالدرجة الأولى، ولم يتخصّص كاتب كردي في سوريا بالكتابة الإبداعية الموجّهة للأطفال.
في مجال الشعر أصدر (Konê Reş/ كوني رَش) مجموعته الشعرية الأولى للأطفال عام 1993، بعنوان: (Sîpan û jîn/ سيپان وجين) ثم أصدر مجموعة ثانية بعنوان: (Şagirtê Bedir-Xan im/ أنا تلميذ بدرخان) عام 1996، امتازتا بفلسفة تربوية واضحة. كما أصدر الشاعر (Ferhad Içmo/ فرهاد عجمو) مجموعة شعرية بعنوان: (Landik/ المهد) عام 1998، ثم أتبعها بمجموعة ثانية حملت العنوان ذاته، وفي عام 2003 أصدر الشاعر (Rêwî/ ريوي، ويعني: عابر سبيل) مجموعة بعنوان: (Nazê û Diyar/ نازي وديار).
ـ محاولات حثيثة وإصدارات في بدايات القرن الحالي:
خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أصدر (Bavê   Serbest/ أبو سربست) مجموعة شعرية خاصة بالأطفال، حملت عنوان: (Hola Biçûkan/ ساحة الصغار) عام 2010. وأصدر (كوني رش) مجموعة شعرية هي الثالثة له، بعنوان: (Helbestên Zarokan/ قصائد للأطفال) عام 2013. وصدر للشاعر والباحث (Salihê Heydo/ صالح حيدو) الذي أغنى المكتبة الكردية بنتاج أدبي ثري للأطفال، المجموعتين الشعريتين: (Sirûdên Bilbilan Li Nav Baxên Gulan/ أناشيد البلابل في حدائق الورد) وهي موجّهة للأطفال خصيصاً، عام 2015. و(Şewq û Fener/ شعاعٌ ونور) التي خصّص فيها قسماً لقصائد الأطفال في العام نفسه. وأصدر الشاعر (Dilêrê Kurd/ دلير كورد) مجموعة شعرية بعنوان: (Fîxan/ أغاريد) عام 2016. وللشاعر مجموعة ثانية بعنوان: (Şîlan/ زهرة جبلية)، وكتب الشاعر (Luqman Osman/ لقمان عثمان) مجموعتين شعريتين للأطفال هما: (Sîmen 1/ ينسب إلى لابسة الفضة) وSîmen 2، وهما قيد الطبع، والجدير بالذكر أنّه وفي هذه المرحلة برز مفهوم الصحافة المحلية التي واكبت النتاج الأدبي للأطفال، وأسهمت في الوقت نفسه بزيادة الاهتمام بهذا النوع الأدبي، وأعني صحيفة (كليزار) التي سنتناول جوانب من مسيرتها في موضع آخر.
في مجال المسرح الطفلي تكاد تكون الساحة الثقافية الكرديّة في سوريا خالية من التجارب، باستثناء بعض النصوص والعروض التي اشتغل عليها بعض الأدباء والمسرحيين ممن تنبهوا لأهمية دور هذه الوسيلة الحضارية الهامة، إضافة إلى العروض المتواضعة التي كانت تُقدم في احتفالات النوروز، أما أهم الدراسات في هذا المجال فكان إصداراً للكاتب المسرحي أحمد إسماعيل إسماعيل، بعنوان: (مسرحنا المأمول.. دراسات تمهيديّة) باللغة العربية، عام 1997، عالج فيها قضايا تتعلّق بالمسرح الكردي، وخصَّص بحثاً قيّماً يتناول مسرح الطفل تحديداً، ومن المؤكد إنجاز نتاجات أخرى للأطفال، لم تسعفني المصادر بالاطّلاع عليها.