الرقة…. أمٌّ الحضارات وشاهدة الانتصارات-2

216
إعداد/ صالح العيسى –

قلعة جعبر: تقع في منطقة الجزيرة السورية على الضفة اليسرى لنهر الفرات على بعد خمسين كيلو متراً من الرقة, شيدت القلعة على هضبة تطل على بحيرة الأسد, وهي قلعة ذات سورين يضمان عدداً من الأبراج تزيد عن خمسة وثلاثين برجاً، بعضها مضلع والبعض نصف دائري, وأكثرها مهدم أو زائل, وفي وسط القلعة مسجد بقي منه مئذنة. وتضم أيضاً عدداً من المباني لم يبقَ إلا أثرها.
وتنسب القلعة إلى  جعبر سابق القشيري، أخذها منه السلطان السلجوقي ملك شاه بن ألب أرسلان 379هـ968 ويقال أن القلعة كانت مسبوقة بقلعة أنشأها دوسر غلام  النعمان بن المنذر ملك الحيرة قبل الإسلام, ولقد تم ترميم مداخل القلعة التي أصبحت فوق جزيرة ضمن بحيرة الأسد في نهر الفرات خلف سد الفرات، مفتوحة للزيارة والسياحة.
وتقع قلعة جعبر اليوم على جزيرة تكونت بعد الغمر وسط بحيرة الأسد التي تكونت بعد بناء سد الفرات، وتبلغ أبعادها 320م×170م ويحيط بها سوران. وفي وسط القلعة شيد الجامع، وما زالت مئذنته شامخة بعد أن تم ترمميها. وفي أقصى الجنوب ما زال برج تم ترميمه وحوّل إلى متحف لآثار القلعة. وأصبح يضم الاكتشافات التي تمت في القلعة وفي منطقة الغمر من أوان وكتابات, وبعض الآثار المنقولة التي عُثر عليها في القلعة التي تم نقلها إلى متحف حلب.
البيعة “توتل” أو تل البيعة: يعدّ هذا التل من أهم التلال الأثرية في الرقة، ويقع على الجانب الأيمن لنهر البليخ عند التقائه بنهر الفرات وإلى الشرق من مدينة الرقة بمسافة 2كم. لقد تبين للأثريين أن هذا التل هو موقع مدينة توتول التي تعود إلى عصر البرونز، وكانت منطقة تحركات صارغون الذي استمد سلطته من دجن إله توتول فمنحه البلاد العليا كما ذكر في أخبار صارغون. كانت مدينة توتول مسورة ولقد جددت أسوارها في عصر يخدون ليم ملك يمحاض حلب. وأصبح السور الجديد خلف الأسوار القديمة وسمكه أربعة أمتار مشيد باللبن. وتم العثور في الموقع على أثار معابد وقصور كشف عن جزء منها وحددت معالمها في عام1938, وتعود مدينة توتول إلى مطلع الألف الثاني ق.م وبسطت نفوذها على شواطئ النهر، فلقد كانت مرفأ لصناعة السفن. ومن أشهر ملوكها “ياخلو كوليم” ولقد هدم ملك ماري أسوار توتول وجعلها تحت سلطاته.
الجامع القديم (الجامع العتيق): يرتبط تاريخ بناء الجامع العتيق بتاريخ بناء الرافقة في عصر أبي جعفر المنصور سنة 155هـ/772م، حيث اعتمد في نظام عمارة الرافقة المخطط الدائري لمدينة دار السلام ببغداد، وحدد موقع المسجد الجامع وقصر الإمارة وسط تلك الدائرة. المسجد في الرقة على غرار مسجد دمشق مؤلف من صحن وحرم وهو مستطيل عرضه 92.90م وهو طول جدار القبلة. وطوله 108.10م. وهو محاط بجدارين من اللبن المغلف بالآجر المدعم بأبراج نصف دائرية، وأبعاد الأجرة 45×45×10سم. وفي كل زاوية برج مستدير. ومجموع عدد الأبراج عشرون برجاً. ويبلغ سمك السور 1.70م. وفي الصحن تنهض المئذنة مستقلة ولقد انشئت في القرن الثاني عشر وهي تشابه مآذن قلعة جعبر ومسكنة .
يقوم الحرم في الجهة الجنوبية وهو بعمق 30.60م ذو سقف جملوني محمول على صفين من الأعمدة 14 عموداً في كل صف ومشكلاً بذلك ثلاثة أجنحة عرضية. أما واجهة الحرم المطلة على الصحن فهي مؤلفة من أحد عشر فتحة مقوسة أبعادها الوسطية 3.56م عرضاً و10.5م ارتفاعاً.
ولقد أنشئت هذه الواجهة من الآجر المشوي وهي إذ تبدو موحدة الفتحات والأقواس في الواجهة، فإن هذه الفتحات في الداخل تحاط بصيوان بارز ذي قوس أو حنت في أعلاه أو شكل مفصص. وفي أسفل العضادات ينفتح محراب صغير. ويختلف شكل العضادتين الجانبيتين تماماً عن غيرها. لقد أنشئ المسجد، فيما عدا المئذنة في عصر المنصور.، وذكره المقدسي وقال عنه “إنه جامع عجيب”، وإن مكانه في سوق الصاغة.
تل حمَّام التركمان (زلبا): وهو تل أثري كبير يتبع منطقة تل أبيض محافظة الرقة. ويقع على الضفة الشرقية لأحد روافد نهر البليخ في جوار قرية على بعد حوالي 80كم شمالي مدينة الرقة. يبلغ طول التل حوالي 500م وعرضه حوالي 450م وارتفاعه عما حوله 45م. يعود في نشأته إلى عصر عبيد في الألف الخامس ق.م وإلى سويات من عصر البرونز الوسيط 2000-1600ق.م، ويستمر في العصرين الروماني والعربي الإسلامي. اتضح في سوّية عصر البرونز الوسيط شارع تحف به مساكن، وفي سوية أقدم منها ظهر بناء ضخم لعله معبد. يعتقد أحد المنقبين فيه أنه موقع مدينة زلبا من الألف الثاني ق.م.
وخلال حملة إنقاذ آثار الفرات من الغمر ثمة مواقع أثرية تم التنقيب فيها في محافظة الرقة، مثل طنبره شمس الدين وتل العبد وتل الفري وتل ممباقه وتل الشيخ حسن وموقع عناب السفينة وقلعة جعبر ودبسي فرج وأبي هريرة، وما زالت تلال أخرى تنتظر التنقيب وكلها تؤكد على غنى هذه المنطقة بالآثار القديمة.
الرصافة: لؤلؤة بادية الشام، تقع الرصافة على بعد ثلاثين كيلومتراً من مدينة الرقة, وقد كان لها تاريخ عريق عبر العصور, فسُمّيت بعهد الآشوريين في القرن التاسع قبل الميلاد: (RASAPPA), ثم تنازع عليها اليونان والفرس, وأضحت لها قلاع منيعة تحميها من غزوات الساسانيين قبل أن تصبح من المدن التابعة لمملكة (تدمر), التي امتدّت من غرب ليبيا إلى الخليج شرقًا. إن الفضل في تعريفنا بتأريخ (الرصافة) يعود إلى كتاب فيّم نشرته المديرية العامة للآثار والمتاحف بدمشق عام 1984م, أعدّه مديرها الأستاذ: بشير زهدي, عنوانه: (الرصافة لؤلؤة بادية الشام), وبما أنها تبعد فقط خمسة وسبعين كيلومترًا عن (قصر الحير الشرقي) احتلها العرب الغساسنة لأهمية موقعها, وسوّروها معتبرين أنفسهم ورثة للأنباط, ثم تحالفوا مع البيزنطيين لحمايتها من غزوات الساسانيين. وقد جاء في كتاب الأستاذ بشير زهدي ما يلي: (…وإذا كان يُنسب إلى الحارث الثاني الفضل بترميم الأسوار, وتشييد كاتدرائية كبيرة في الرصافة في العصر البيزنطي, فإنه يُنسب إلى ابنه المنذر بن الحارث الثاني الفضل بتشييد خزانات المياه فيها, وببناء قصر كبير له, ودار للضيافة خارج سورها الشمالي, تثير ضخامتها شعور الاحترام لهيبته لدى رجال القبائل, والجدير بالذكر أن جهودًا مخلصة تُبذل حاليًا في سبيل ترميم هذا القصر الغساني, ليكون مبناه متحفًا إقليميًا جديدًا يسهم في حفظ هذه المنطقة المهمة, والتعريف بفنونها وتاريخها وآثارها المختلفة).
رصافة هشام في عهد الأمويين, أضحت الرصافة منتجعًا صيفيًا انتقل إليه الأمير (هشام بن عبد الملك من قصر الحير), وأسهم في عمرانها وازدهارها بتشييد قصرين اكتُشف أحدهما في إثر التنقيب عن آثارها, فعُرفت آنذاك باسم: (رصافة هشام), وبعدما انتصر العباسيون على الأمويين, نجا الأمير عبد الرحمن بن معاوية من الموت, لأنه اختبأ عند جماعة من الأعراب على ضفة نهر الفرات بشمال سورية, ثم انتقل سرّاً للأندلس وهو في التاسعة عشرة من العمر, حيث أسس دولة جديدة للأمويين فيها. بعد نهاية حكم الأمويين في سورية, تابعت (الرصافة) ازدهارها حتى بداية القرن العاشر الميلادي.
واشتُهرت بتعايش المسيحيين والمسلمين بدليل اكتشاف أنقاض كنائس فيها, ومسجد له محرابان باتجاه الجنوب وشارع مستطيل محاط بأعمدة, وقد هُدمت إبان غزوات التتار كليًا. ولكي نعلم كيف تمّ هذا الاكتشاف, نعود إلى كتاب الأستاذ (بشير زهدي), ونطّلع منه على اهتمام فريق من علماء الآثار الألمان أمثال: (شنايدر), و(سبانير) و(موسيل), الذين شرعوا عام 1952م, بتنقيب عن تلك الآثار, استمر سبع سنوات, فعثروا على جزء من القصرين الأمويين, وبرج قائم على قاعدة مربعة الشكل بزاوية مبنى مصنوع من الآجر, ثم اكتشفوا برجين آخرين مستديرين أصغر حجمًا مما دفع بفريق آخر من علماء الآثار للعودة إلى الرصافة عام 1968,ومتابعة أعمال التنقيب بمساعدة المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية, فتمّ اكتشاف أجمل أبواب المدينة تحت الركام, حيث ظهرت في جهتها الشمالية رسوم وزخارف ملوّنة، كان الباب يؤدّي إلى شارع مستقيم يؤدي إلى وسط المدينة. لقد جرت تلك الحفريات تحت الرمال على عمق خمسة أمتار, وتم العثور على مباخر وأكواب فضية ومذهّبة منقوشة باللغة السريانية ولوحات رخامية وقطع نقود محفور عليها اسم الرصافة يوجد بعضها اليوم في متحف دمشق, ونُقل بعضها الآخر إلى متاحف الغرب. ورصافة الأندلس لقد ذكّرني الحديث عن رصافة بادية الشام برصافة الأندلس التي بناها بضاحية قرطبة الأمير هشام بن عبد الرحمن الداخل، وجعلها مقرَّاً صيفيَّاً له لارتفاعها عن قرطبة, وإطلالتها على نهر الوادي الكبير, الذي يجتازها في القرن الثامن الميلادي, تخليدًا لذكرى جده (هشام بن عبد الملك) باني (رصافة) سورية, ولم يبقَ لها أثر في القرن العشرين, فبنت الحكومة الإسبانية في موضعها فندقًا سياحيًا كبيرًا, أطلقت عليه اسم: (الرصافة). والرصافتان إذن, السورية والأندلسية لعبتا دورًا مهمًا في التاريخ, علمًا بأن رصافة الشام انبعثت أنقاضها من جديد, وأضحت تحدّثنا عن ماضيها المجيد بلغة آثارها المكتشفة, كما أن العمل على تحقيق متحفٍ إقليمي ضمن مبنى (المنذر الغساني) الذي تمّ اكتشافه فيها سوف يُسهم في تعريف المواطنين, والسياح الراغبين في الاستماع إلى أطلالها تروي لهم قصة مجدها.