الدكتور أحمد سينو… الإيزيديون حافظة اللغة والتراث الكردي العريق

516
حاورته/ ديلبر خليل –

 عندما يُسخّر الأنسان ماله وجهده في سبيل خدمة شعبه وتقدم وازدهار مجتمعه فإنما يعوض ذلك بمحبة الناس واحتضان مجتمعه له ليصبح كل من حوله أهلاً وأقارب وأسرة واحدة تخصه وتحيطه بالحب وتجزل له في الأحترام والتقدير، ويكون ما اكتسبه أضعاف ما أنفقه وبذا يكون من الفائزين براحة البال وصفاء الضمير ومحبة الناس التي لا تقدر بثمن.
الدكتور أحمد سينو ابن روج آفا، ولد بها وقضى فيها سنين صباه ودرس المراحل الأولى من تعليمه فيها، وفي هذا الحوار يحدثنا عن بعض من شؤون وشجون المجتمع الذي طالما كان موضع اهتمامه وكانت قضاياه الفكرية والأجتماعية والسياسية موضوع دراسته وأبحاثه:
لو نتحدث بداية عن شخصية الدكتور أحمد سينو والنشأة وذكريات البدايات.
التفاصيل كثيرة ومتداخلة, وهي بشكل ما لا تنفصل عن الأحداث المحلية والأقليمية وهي كذلك أيضا ترتبط بشكل غير مباشر بالحركة الوطنية والتقدمية, وحركة التحرر الوطني الكردستانية وتطوراتها . حيّنا (حارتنا) الذي لازلت مقيماً فيه، حي العزيزية جنوب المشفى, أكملت المرحلة الثانوية عام 1976م . بعدها انتقلت إلى دمشق للانتقال لمتابعة دراستي الجامعية، ودخلت قسم التاريخ فكانت هذه نقلة نوعية على الصعيد العلمي والسياسي. أنهيت المرحلة الجامعية ودخلت المرحلة الأكاديمية عام 1981م بدخول قسم الدراسات العليا تخصص عرب وإسلام وتسمى بمرحلة الدبلوم في الدراسات وانهيتها أيضاً؛ ثم عدت إلى مدينتي الحسكة وعملت مدرسا لمادة التاريخ في ثانوياتها. خاصة ثانوية غرناطة وثانوية أبي ذر الغفاري مدة 13 عاماً وخلالها أنهيت مرحلة الماجستير من قسم التاريخ عام 1986م، عن الرسالة التي تحمل عنوان (تاريخ الجزيرة الفراتية في العصر العباسي الأول من 750م/850م الحياة السياسية وأهم مظاهر الحضارة إلى أن سافرت إلى دولة الأمارات العربية المتحدة للعمل كمدرس في ثانوياتها وبقيت هناك حتى نهاية العام الدراسي 2017م،  في الوقت الذي كانت الأزمة السورية في قمة أحداثها.
ــ كيف كانت السمة الأساسية للحياة السياسية في فترة الدراسة والنضج لدى الدكتور أحمد سينو؟
كان المشهد السياسي مميزاً آنذاك بوجود تيارين يمثلان التوجه القومي الكردي، وتيار الفكر الأممي واليساري بين أفراده وعوائله، هذا الواقع وضع إطارا لي لتوجهاتي الفكرية والسياسية، حتى يمكن تسمية هذه المرحلة مرحلة المخاض على صعيد التطورات الفكرية والسياسية والعلمية. وعمل جميع الأحزاب الكردية القومية والوطنية والديمقراطية والتيارات الوطنية السورية والأممية الأخرى تحت المجهر.
ـ ماهي الدوافع الحقيقية لعودتك إلى روج آفا بعد تجربتك في الخارج؟
في قمة الأزمة السياسية والكارثة التي حلت على الوطن السوري، وتحول الثورة السورية إلى حرب عالمية ثالثة غير معلنة، وتضارب المصالح بين قوى إقليمية لا تهتم الأ بمصالحها، أعجبت بدور الإرهاب الذاتية وحمايتها للأراضي السورية وعملها الدؤوب في استئصال الإرهاب في كل شمال وشرق سورية، ومواجهة كل المخططات التي تستهدف الشعب السوري والوطن السوري برمته، خاصة تركية وأردوغان وأي قوى خارجية تتربص بمنجزات الشعب السوري ومكوناته في شرق وشمال سورية، لذلك عدت ليكون لي جهد ومساهمة لتقديم ما يمكن لهذه الشعوب التواقة للحرية من خلال هذه المؤسسات المجتمعية.
لماذا اخترت موضوع الأكراد الإيزيديون في أطروحتك، لنيل الدكتوراه؟
الحقيقة هناك أسباب عديدة، منها حجم التشويه الذي تعرضوا له, خاصة فيما يتعلق بالعقيدة الدينية، وبالأصل والانتماء العرقي، والتشويه الذي طال طاووسي ملك والكتب الدينية المقدسة، وكذلك إشكالية عدي بن مسافر وغيرها الكثير، ورغبتي في إزالة هذه التشويهات خاصة أنها فرضت عليهم لأسباب سياسية من الدولة العثمانية, إلى جانب أهمية الكرد الإيزيديون كحماةٍ للغة والثقافة الكردية ومعتقداتهم القديمة . وأيضاً رغبتي تجاوزت الباحثين الأخرين الذين جمعوا وسردوا وبتواتر عن سابقيهم، ما قيل عن الإيزيدية  فيما يتعلق بمعتقداتهم  الدينية دون اتباعهم منهج البحث، العلمي والتاريخي، وكذلك افتقار الكثير من الدراسات السابقة إلا ما ندر إلى التحليل العلمي الصحيح، ووضع الحدث في إطاره الصحيح، إقليمياً ودولياً، لأنه لا يمكن تجزئة الحدث التاريخي وفصله عن تطوره العام.
ـ هناك خلط لدى الكثيرين بين الإيزيدية واليزيدية ما الفرق بينهما ؟
عندما نقول اليزيدية، نقر بالتسمية العثمانية التي أطلقوها لدوافع سياسية لأنهم بذلك يُعتَبرون فرقة إسلامية انحرفت أو خرجت من الدين الإسلامية، وأنهم يعتقدون بإمامة يزيد بن معاوية، بمعنى انهم فرقة إسلامية تجب محاربتهم حتى من قبل الشيعة، كل ذلك بهدف التنكيل والإبادة بهم. أما الإيزيدية فتعني إنها ديانة قائمة بذاتها، لا علاقة لها بما ذكرته آنفاً وهي مشتقة من الكلمة الكردية “يزدان” او “يازدا” السنسكريتيه بمعنى “الخالق” أو الذات الإلهية.
ـ تعرض الكرد الإيزيديون إلى أكثر من سبعين فرماناً ؟ ما أهم الأطراف التي قامت بذلك،
نعم صحيح بل أكثر من ذلك، أهم الأطراف التي عملت على تلك الفرمانات هي الدولة العثمانية، التي كانت ترسل الحملات بشكل مباشر من الأستانة، أو ترسل حملات عن طريق ولاة بغداد أو عن طريق ولاة الموصل، وهناك أيضاً حملات صفوية استهدفت وجودهم في سنجار.
ـ حبذا لو توضح العلاقة التاريخية  الكرد الإيزيديون من جهة والأرمن والأشوريين من جهة أخرى.
كانت علاقات الكرد الإيزيديون مع المسيحيين على أفضل صورها من الود والصداقة، وتكاد تصل في كثير من مراحلها إلى التحالف، وبخاصة مع الأرمن ومع الأشوريين وتعرضهم معاً إلى المحن والإبادة والسلب والنهب والتطهير العرقي والديموغرافي ودفع الضرائب والأتاوات. وتمثل ذلك أكثر بموقف زعيم الجبل “حمو شرو” الذي قام بحماية آلاف الأرمن والأشوريين الذين لجأوا إليه من تنكيل القوات التركية، كان من شأنه تحسين صورة الكرد الإيزيديون أمام المحافل الدولية، خاصة بريطانيا وفرنسا وروسيا، وكذّبت مزاعم الدولة التركية بأن الكرد الإيزيديون مجرد قطاع طرق ولصوص.
ـ ماذا عن المعتقدات الدينية عند الكرد الإيزيديون وأهميتها ؟
المعتقدات الدينية عند الكرد الإيزيديون ، هي في غاية الأهمية كونها المعتقدات  القديمة للشعب الكردي وذلك لا ينفي تأثرها بالمعتقدات السومرية وآلهتها. ولكنها أي المعتقدات الدينية الإيزيدية  معظمها هي ميثرائية وزرادشتية وبمعنى آخر فإن الكرد الإيزيديون هم ورثة المعتقدات الزردشتية والمثرائية، ولغة الكرد الإيزيديون الدينية هي اللغة الكردية، وتتلى بها كافة الأدعية بل كافة الطقوس الدينية بما ذلك الأناشيد المقدسة والعادات والأعياد وغيرها، بل يعود الفضل للكرد الإيزيديون أنهم حفظوا اللغة الكردية والعادات والتقاليد ومجمل التراث الكردي. وربما لهذا السبب جرى استهدافهم، وبشكل متعمد من الدولة العثمانية  والفصائل والجماعات المتطرفة كداعش وغيرها.
ـ ما أبرز واهم الأعياد الدينية عند الكرد الإيزيديون ؟
عيد رأس السنة (سري سالي) وعيد الجماعية، وعيد القاباغ، وعيد القربان، وعيد البيلندة، وغيرها من الأعياد الأخرى التي في مجملها طقوس تحض على فعل الخير واحترام الطبيعة الأم وتمجيد الإله الواحد لأنها من أقدم الديانات التوحيدية.
ـ كيف تنظرون إلى ما تعرض له الإيزيديون على يد داعش؟
ما تعرض له الكرد الإيزيديون على يد داعش، من الإبادة إلى التهجير والتطهير العرقي وتغيير ديمغرافي والسبي والأغتصاب, عار على جميع الدول الإقليمية وعار على المجتمع الدولي الذي لم يحرك ساكناً، بل هي نقطة سوداء في تاريخ الإنسانية، وسائل الإعلام رصدت عملية انسحاب القوات التي كانت مكلفة بحمايتهم، وكيف تركت السكان الإيزيديون دون حماية، وجدنا الألاف قد احتموا بالكهوف، والمئات وقعوا على قارعة الطرق الترابية والجبلية الوعرة، خائفين مذعوريين، مرضى وأطفال وشيوخ منهارين منهوكي القوى أو متوفين، كما وجدنا كيف أن قوات الكريلا التابعة لحزب العمال الكردستاني، ووحدات حماية الشعب تولوا مهمة إنقاذهم وحماية وتأمين الطريق الأمن لهم، ومدهم بكل الاحتياجات اللوجستية، بل تولوا مجابهة داعش ودحرهم بما يؤمن حفظهم  سلامتهم على مرأى من العالم كله.
ـ ما الذي ينتظر الكرد الإيزيديون  في المستقبل  بقواهم الذاتية؟ 
من الضرورة بمكان أن يكون للكرد الإيزيديون قوتهم الذاتية، للقيام بحماية كافة مناطقهم وقراهم، ولكن في الوقت نفسه أجد أيضاً وجوب دعمهم من كافة القوى الوطنية والديمقراطية في الشرق الأوسط وميزوبوتاميا، وذلك للملمة الجراح الغائرة الحديثة، وإعادة الثقة، كما آمل أن يعود الإيزيديون إلى مدنهم وقراهم في سنجار وفي روج آفا وبقية المناطق الأخرى، للمشاركة في البناء، كما أعتقد أن الإدارة الذاتية الديمقراطية  تساهم بشكل فعال لاستقرار أوضاعهم والاهتمام بهم من ناحية التمثيل في المجالس. وتقف على حقوقهم الذاتية الخاصة كمكون ينفرد بثقافته الدينية.