رشيد عباس…المعاناة والجَمالُ البِكْر إبداع لا ينتهي

922
تقرير/ خضر الجاسم –

في قرية البوراز التابعة لمدينة كوباني، كان مولد الشاعر الكردي رشيد عباس، في بداية السبعينات من القرن الماضي، درس فيها المراحل الأولى من التعليم، ثم درس قسم اللغة العربية في جامعة حمص وحمل إجازة في الآداب، أتبعها بدبلوم الـتأهيل التربويّ من جامعة حلب، يعمل حالياً مدرساً للغة العربية، يكتب باللغتين العربية والكردية. وعلى الرغم من أصله الكرديّ لكنه يكتب الشعر العربي ببلاغة، عانا كثيراً من ممارسات المنع والصهر التي سخرت كل شيء خدمةً لأجندتها، تربطه علاقات صداقة مع أغلب الشعراء الموجودين حالياً في منبج، وكذلك الذين غادروها مرغمين، كما تربطه علاقات صداقة وودٍّ ومحبّة مع الكثير من الشعراء في سوريا، شارك في كثيرٍ من المهرجانات الأدبية واللقاءات الشعرية، وحصل على العديد من الجوائز الأدبية. كما تجوّل في أغلب المدن السورية.
معاناة وطموح أينعا تجربة شاعرية
عاش رشيد عباس تجارب جميلة مع أغلب الشعراء المعروفين في المشهد الشعريّ السوريّ، إضافة إلى اطلاعه على التجارب الشعرية العربية بشكلٍ عام. بدأ الكتابة في عمر صغير لأنه كان شديد الحساسية إزاء ما يحيط به من أمور عامة، حيث تعتبر ميوله مختلفة عن ميول أقرانه، إذ يميل إلى التدوين والكتابة، ويحاول أن يكتب ما يحسّ به، ويضع ما يكتبه في خانة الشعر:
“أعْرِفُ أنّ بنفْسَجَ رُوحُكِ يَذْوي
وأنّ الغِناءَ على مَهْلٍ يَنتهي
فانهلّ الماءُ مِنْ غَيمةِ الرُوحِ
وارفعُ يَدَ الكَلِمَاتِ مَناديلَ شوقٍ إليَّ
ودُمْ طَيّبَاً”.
في الرابعة عشرة من عمره، حاول رشيد كتابة شيء من هذا القبيل، ربما كانت خربشات، ومحاكاة لتجارب شعرية أخرى. كان يحفظها من المنهاج المدرسيّ، وواظب على قراءة الشعر الجاهليّ، وكان يستمتع بقراءته، ودأب على الاستماع إلى روايته، وحاول تقليد هذا الشعر كتابةً لكنه لم يفلح في ذلك لعدم قدرته اللغوية، وعدم تمكّنه من الأوزان الشعرية في ذلك الحين، غير إنه لم يهجر الشعر، بل تابع مسيرته، وعمل على صقل موهبته بالقراءة، والاطلاع على الآداب، وأساليب الكتابة مع مرور الوقت.
موهبة فذَّة في مجتمع غني ثقافياً
اختلف رشيد عباس عن الكثير من الشعراء، ذلك لأنه لم يجد من يعتمد عليه في بداياته الكتابية نتيجة الوسط المحيط الذي كان يعيش فيه، إذ كان لا يُسمح له بكتابة الشعر بغير اللغة العربية، خوفاً من سلطة الأمن وذراعه القوية، إضافة إلى أن المجتمع الكرديّ كان يعيش حالة من إبادة ثقافية ليس لها مثيل. فقد كان وسطاً فقيراً من جميع النواحي على الرغم من غناه التاريخيّ الثقافيّ. يتحدث رشيد عن ذلك الجانب بقوله: “كان أهم جانب من جوانب الفقر بالنسبة إليّ هو الجانب الأدبيّ والثقافيّ، فلا أذكر أحداً روى الشعر أو تحدّث عن الأدب والأدباء، في مجلسٍ ما من المجالس التي كانت تُعقَد في القرية التي كنت أعيش فيها، أو القرى المجاورة التي كنّا نزورها آنذاك”. لذا اعتمد على الذات، وحبّ الاطّلاع والقراءة، واستعارة الكتب من مكتبة المدرسة في المرحلة الإعدادية؛ لتضع اللبنة الأولى لتجربته الشعرية.
فكلُّ ما فوقَ الحياةِ لكم، وما تحتَ الحياةِ لكم
ونحنُ لنا الحياةُ بسائرِ الأحلامِ؛
نحنُ قلوبُنا ملأى بكلِّ الحبِّ، والذكرى،
وعطرٍ قد تعتّقَ في أناشيدِ الصَّبا
كان يحبّ أن يرى مفاتن الطبيعة بعينه، ويستمتع بالطبيعة البكر، تلك المتروكة على عفويتها، وليست الطبيعة المصطنعة التي طالتها يد الإنسان بحجة تجميلها واستثمارها، ربما هذه نظرة رومانسية من قبله، أو موقف خاطئ منه عن الجمال، لكنه يرى أن ترك الطبيعة على حالها في مواضع معينة، يعني إعطاء الحرية لها لرسم معالمها بالشكل الذي تشاء، وبالتالي إتاحة الفرصة للتعرّف على أصلها وكيفية نشوئها وفهم قوانينها. فالأصل في الجمال -برأيه- هو رؤية الأصل، ومعرفته، لا مشاهدة الشكل التقليديّ المصطنع على حساب نسيان الأصل. كان كل شيء يلهمه إلى الكتابة والإبداع، ولعلّ المعاناة، والألم، ومشاهد الفرح والحزن، ورؤية الجمال، والإحساس بالنشوة.
تكامل التحام الفكر
 إن الشعور بالحبّ تجاه المرأة، له مذاق خاص عند رشيد عباس لأنها شريك الرجل في الحياة بكل ما تختزنه الحياة من حب، وعمل، وبناء للأسرة، والنهوض بالمجتمع، والوطن. من هنا يأتي شعره، ليرسم صورة المرأة الند؛ والتي لا تكتمل الحياة إلا من خلال الإيمان بدورها الفعّال جنباً إلى جنب مع الرجل في ثنائية (الرجل – المرأة) (الحياة – الوجود)، بيدَّ أنّ وجودها في الشعر، يتسم بأبعاد مختلفة لا يمكن للفهم أن يحيط بمكنونها بشكل دقيق، ولا يمكن للشرح أن يغوص في كنهها؛ فهي كأنثى فوق أن تحاط، بما يبيّنه الكلام عنها، وأكثر سعة مما تخفيه الأسرار عنها، وتظهره النظريات حولها أو التنظير في كينونتها، من هذا المنطلق يرى أن ملهمته الأولى المرأة في الإبداع، وكتابة الشعر، فهي تأخذ حظاً أوفر في شعره، كما لا يوجد شيءٌ، يمكن أن يضعه في الحالة الشعرية أكثر مما تفعله المرأة، وعلاوة على ذلك، هي ليست غاية تسعى إليها القصيدة عنده، وإنما هي سرّ الإلهام الذي يدفعه؛ إلى قول أشياء كثيرة، والسفر في الشعر، والسير عبره إلى عوالم بعيدة، وفضاءات واسعة، والغوص في الأسرار العميقة للحياة. من العوامل المهمّة التي تدفعه إلى الكتابة، وتعزّز في داخله الرغبة في الإبداع.
وقد نبتَ الحنينُ بصدرِها
حتّى تمنّت أن تبلّلَ ريقَها
من خلفِ قافيةٍ أراقبُ صمتَها
هيَ في المجازِ قصيدةٌ
وأنا المسمّى بالمجاز
 أنينُ نايٍ في الهواءِ”
الشاعرية المتدفقة تخلق عوالم أدبية متجددة
يعتقد رشيد عباس أن تلاشي الحدود بين المدارس الأدبية والتيارات الفكرية الفلسفية التي ظهرت في الأصقاع المختلفة من العالم، حيث تداخلت الأفكار والفلسفات في الفكر الواحد، نتيجة الانفتاح على الكثير من التغييرات والتعرّف على العديد من الثقافات. أدت إلى انعكاس ذلك في الأسلوب والسلوك، وبالتالي انعكاس هذا الشيء في النتاج الإبداعي، حتى على مستوى النص الواحد.
أكثر ما يُظهِر هذا الشيء في الشعر دون غيره من الأجناس الأدبية الأخرى لأنه الأكثر انبثاقاً من اللاشعور، والأكثر تصويراً لما يختلج في العقل الباطن، ولعل هذا التداخل موجود في شعره بشكل واضح حيث توجد سمات عدة مدارس أدبية أو مذاهب فكرية في آنٍ واحدٍ في الشعر الذي يكتبه، ولعلّ الميل إلى المدرسة الواقعية الجديدة أحياناً يؤدي ببعض القصائد إلى أن تأخذ هذا الاتجاه، إيماناً منه بدور الإنسان وقوة الإرادة لديه، وتفاؤله بالحياة الجديدة، ورفضه للتفاوت الطبقيّ والاستغلال من خلال تصوير البؤس الاجتماعي، أو مناهضة قوى الهيمنة التي تعمل على إشعال الحروب، أو السخرية من الشركات الاحتكارية وتجار الأسلحة.
واستمتعوا بالحربِ..
لا تستمتعوا بالحبِّ
يا تُجّارَ أسلحةِ الدمارِ
وقرّروا ما سوفَ يدخلُ
 في الجيوبِ
فَلَا قلوبَ لكم!!
هذا إذا تم النظر إلى الشعر بعين النقد في فترة الحداثة التي برزت في الغرب وانتقلت إلينا عن طريق المثاقفة والترجمة والاحتكاك المباشر مع الآداب العالمية.
مع العلم أن فترة ما بعد الحداثة، فرضت على الشعر أن يتجه اتجاهاً جديداً يعبّر عن تناقضات الحياة ويكشف تعقيداتها في سعي منه إلى التعبير عن مصطلح ما يسمى: (فوضى الحياة). ولا شك أن تجربته بمجملها تنتمي إلى فترة ما بعد الحداثة؛ أي العصر الذي يعبّر عن فوضى الحياة. أما الأسلوب الذي تناول فيه نصوصه من حيث الشكل الفنيّ، فيعتمد على نظام التفعيلة في الغالب، ولا يهتمّ كثيراً للقافية، إذ إن عنايته بالنص المدوّر تجعل تجربته ذات خصوصية واضحة، فهو لا يمانع المزج بين النص الموزون بنفَس قصيدة النثر.
أريدك حقلاً من الأغنيات
لئلّا تصير الليالي؛ غراباً
 يباغت سرب العصافير في رقّتي”
إبداع كبير ينتظر الولادة مستقبلاً
هناك جديد دائماً لدى رشيد عباس، فباعتقاده أنه مثل شمس الصباح، طالما توجد الكتابة يوجد جديد أيضاً، وهو لا يمانع أن يفسر القلة في الكتابة بقوله: “لا أكتب كلّ ما يخطر ببالي من المواضيع فلا أهتمّ بماهية الموضوع بقدر ما ينصبّ اهتمامي على كيفية التعبير عن الموضوع الذي أتناوله، غير أنني لا أعتزل الشعرَ، فالكتابة ليست رياضة من الرياضات يعتزلها المرء بعد حينٍ من الزمن، ولا عملاً يتركه المرء في وقتٍ ما، ولا وظيفة يستقيل منها”، فالشعر يعيش معه، ويسكن في مخيّلته، وهاجسه يعتلج في داخله دائماً.
الشاعر رشيد عباس له مجموعتان شعريتان قيد الطباعة الأولى بعنوان: (أثقلت بالهواجس أغنيتي) – والثانية بعنوان: (على ساحل القلب). والأغلب من الشعر يحلّق في أجواء السريالية والرمزية التي تخبرنا الكثير عن عالم شعري لابد من قراءته بتمعن.
“سقطَ المساءُ وغرقتي ملأى
 برائحةِ الكتابةِ
لمْ تكنْ تلكَ القصيدةُ زَهرةً
 في شِرفةِ الجيرانِ
إلّا أنّها سَقطتْ عليهم
 مِنْ دَمَي سَهواً”