سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

في إشكالية تصنيف الأجناس الأدبية ـ الرواية في شمال وشرق سوريا نموذجاً ـ

دلشاد مراد-

تعد التداخلات بين الأجناس الأدبية مسألة معقدة للغاية حسب المنظور التحليلي الأدبي وخاصة حين يتم إعطاء التصنيف الملائم لنتاج أو عمل أدبي ما، وقد قدم الكثير من النقاد العالميين آراءهم في مختلف الأجناس الأدبية وتفرعاتها المثيرة للجدال، ومن بينها تحديد الفروقات ما بين الرواية والسيرة الذاتية وكيفية تصنيفها وتحديد هويتها أو جنسها الأدبي وخاصة أثناء حصول التداخل بينهما.
جورج ماي وهو ناقد فرنسي معروف وضع في كتابه (السيرة الذاتية) الصادر عام 1979م سلماً لما هو مشترك بين الرواية والسيرة الذاتية، ضم ستة أصناف، فذكر أن الرواية التي تركز على شخصية رئيسية بعيداً عن شخصية المؤلف تدعى الرواية الشخصية أو السيرية، بينما تلك التي تركز على شخصية المؤلف سواء كتبت بضمير المتكلم أم الغائب فتدعى رواية السير الذاتية، ووضع تصنيفاً خاصاً بـ (السير الذاتية الروائية) موضحاً بأنها لا تنتمي للرواية وإنما لأدب السيرة الذاتية.
النقاد العرب أيضاً ناقشوا كثيراً هذه المسألة أيضاً، لكثرة الأعمال الروائية (المتداخلة بين جنسي الرواية والسيرة الذاتية) في المكتبة العربية، وقد حاول بعضهم إعطاءها اسماً متمايزاً، فطرح الناقد المصري عبد المحسن طه بدر  “رواية الترجمة الذاتية” كتسمية لهذا النوع الأدبي، بينما اقترح الباحث والناقد العراقي المعاصر د. عبد الله إبراهيم تسميته بـ(السيرة الروائية) ويشارك الرأي الأخير الكثير من النقاد العرب المعاصرين، إذ يميز الباحث والناقد السعودي صالح الغامدي بين الرواية والسيرة الذاتية، فيذكر أن (رواية السيرة الذاتية) نص سردي خيالي، إذ إنها تعتمد على السيرة الشخصية اعتماداً على بنية أو عالم خيالي، بينما (السيرة الذاتية الروائية) نص سردي توثيقي، فتعتمد على تقنيات روائية إلا أنها تحيل إلى عالم حقيقي غير خيالي.
ورغم أن موضوعنا الرئيسي عن الرواية في شمال وشرق سوريا، لكن كان لا بد من تقديم نبذة أو مدخل عن الإشكالية المستمرة إلى الآن حول تحديد التصنيف الملائم للأعمال المتداخلة بين الرواية والسير الذاتية، كون الشكل المقدم إلى القارئ المحلي في منطقتنا على أساس أنه – رواية – في حقيقته أعمال سير ذاتية أو مذكرات لأبطال (شهداء الحرية)، مما يخلق إشكالية في الساحة الأدبية ولدى القراء أيضاً حول هوية أو أجناس تلك الأعمال، ويزيد من الأمر تعقيداً ضعف التقنيات الروائية المستخدمة في تلك الأعمال، إضافة إلى ضعف الأسلوب الكتابي، مما يجعل الكثيرين ينتقدون تلك الأعمال واعتبارها خارج إطار الرواية أساساً.
وفي تتبع للعديد من الروايات الصادرة في شمال وشرق سوريا يمكننا ملاحظة أنه بالإضافة إلى التداخل الحاصل بين جنسي الرواية والسيرة الذاتية، فإن هناك تداخلاً آخر بين السيرة الذاتية والمذكرات، إضافة إلى تمايز آخر وهو أن المؤلف لا يكتب سيرته أو مذكراته، بل هو الوسيط بين القارئ وبطل روايته، أي أنه يكتب سيرة أو مذكرات شخص آخر اعتماداً على معلومات متوفرة لديه أو بحكم وجود علاقات شخصية أو صلة قرابة، وهو ما يزيد من الإشكالية الحاصلة كون التداخل هنا قد أصبح ثلاثياً “ما بين الرواية والسيرة الذاتية والمذكرات”.
وللحديث بقية في حلقات أخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.