سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

ممارسة اللغة الأم .. حق وواجب إنساني

دلشاد مراد-

تحتفل شعوب المعمورة في 21 شباط من كل عام باليوم العالمي للغة الأم نظراً لأهمية اللغة في تكوين الأمم والشعوب ولكونها إحدى مقومات تمايزها الإيجابي عن بعضها البعض، فلا يمكن توصيف الشعب العربي بدون اللغة العربية، أو الشعب الإنكليزي بدون اللغة الإنكليزية وهكذا…
وقد ناضلت معظم شعوب العالم في سبيل إحياء لغاتها الأم وممارستها بشكل رسمي دون أية عوائق، وذلك في مواجهة محاولات بعض الشعوب فرض لغاتها على شعوب أخرى مقهورة، كمحاولات الإنكليز والفرنسيين والإسبان في فرض لغاتهم إبان احتلالهم لمناطق الشرق الأوسط وأفريقيا والهند وأمريكا اللاتينية.
كما عانى الشعب الكردي ولا يزال من تبعات فرض لغات أخرى عليه، في إطار ممارسات التتريك في تركيا ومحاولات فرض اللغة الفارسية في إيران والتعريب في العراق وسوريا (من جانب أنظمة البعث في البلدين). ويتكرر ذات المشهد في المناطق المحتلة ذات الغالبية العربية في شمال سوريا (جرابلس، اعزاز، الباب..)، وكذلك الأمر بالنسبة للشعب السرياني الكلداني الآشوري الذي تعرض لإبادة عرقية وثقافية منظمة من قبل الأتراك في جنوب شرق تركيا.
في سوريا ومنذ تشكيل الدولة السورية ضمن إطارها السياسي الراهن في عشرينيات القرن العشرين، فُرض لون واحد على الحياة العامة في البلاد، وحُظر استخدام أي لغة غير العربية، من قبل أنظمة الحكم في البلاد، ووصل الأمر إلى حد التضييق في إطلاق أسماء من اللغة الأم على أطفال الكرد وملاحقة كل من يناضل في سبيل إحياء وممارسة اللغة الأم (الكردية) في العقود الماضية.
وقد كان مطلب “حق ممارسة اللغة الأم في التعليم والنشر وفي الحياة العامة، والاعتراف الدستوري باللغة الكردية كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية في سوريا” أحد المطالب الرئيسية للحركة السياسية الكردية في روج آفا وسوريا، وقوبلت بالرفض المطلق.
وعلى عكس ممارسات الأنظمة الحاكمة في سوريا، اتبعت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا المنهج الديمقراطي والمساواة في الحقوق العامة لجميع شعوب المنطقة، إذ تضمن العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية “الاعتراف باللغات الكردية والعربية والسريانية كلغات رسمية” في التعليم والنشر والحياة العامة. ويعد هذا إنجازاً عظيماً، وربما يكون الدستور الأكثر ديمقراطية في تاريخ الشرق الأوسط من ناحية المساواة بالحقوق العامة والثقافية لشعوب المنطقة.
ولكن ما يحز في النفس هو انجرار بعض من أبناء شمال وشرق سوريا إلى خطاب مثير للفتنة نتيجة حسابات سياسية أو ارتباطات مع أنظمة حاكمة أو تحريض خارجي لتشويه الإنجاز التاريخي الحاصل في شمال وشرق سوريا، فنرى مثلاً بعض الأحزاب السياسية الكردية التي كانت تطلب سابقاً من النظام البعثي السوري الاعتراف باللغة الكردية رسمياً في التعليم والنشر هي ذاتها من ترفض قرارات الإدارة الذاتية بجعل الكردية إلى جانب اللغات الأخرى رسمية في النشر والتعليم، بل إنها أصبحت تدعم إبقاء المنهاج البعثي في التعليم بمناطق شمال وشرق سوريا. وكذلك الأمر بالنسبة لبعض من أبناء السريان المرتبطين بالنظام السوري الذين وقفوا في البداية ضد قرار المرجعيات السريانية في الإدارة الذاتية لجعل اللغة السريانية رسمية في التعليم والنشر وتطبيقها في الواقع العملي.
إن ممارسة اللغة الأم في التعليم والنشر هو حق وواجب إنساني، وليست هبة أو مِنة من نظام أو شعب لآخر، وأي محاولة للتضييق على ذلك يندرج ضمن سياق الشوفينية والتمييز العنصري واتباع سياسة الإبادة الثقافية بحق الشعوب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

لنحمي أنفسنا

1- ابقى في المنزل من أجل صحتك.
2- احرص على ارتدائك الكمامة عند اضطرارك للخروج من المنزل.
3- توقف عن نشر الشائعات وساهم في حماية الوطن.