سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

من أوراق الحرب على عفرين.. مؤامرات وتهجير

 حلب/ رامان آزاد ـ

كلّ المؤشراتِ كانت تؤكّدُ أنّ العدوانَ بات وشيكاً، وانصبَّتِ الجهودُ السياسيّة على خلقِ الذريعةِ له، ففيما كانتِ العمليةُ العسكريّةُ المشتركةُ الروسيّة السوريّة مستمرةً في مناطق إدلب، والطيرانُ الروسيّ كثّف قصفَ مواقع في ريف دمشق تمهيداً لرحلاتِ الباصاتِ الخضراءِ إلى الشمال، بدأت أنقرة مناوشاتٍ بالقصفِ المدفعيّ عبر الحدودِ مستهدفةً مواقع في عفرين، لتكونَ مقدمةَ عمليّةٍ موسعّةٍ لاحتلالها وتهجير أهلها وتفريغ المنطقة لتستوعبَ القادمين لاحقاً على متنِ الحافلاتِ.
القصفُ المدفعيّ سبقَ الذريعة
جاء العدوانُ على عفرين مسبوقاً بأسبوعٍ من القصف المدفعيّ، استهدف القرى الآمنة، وترافق بتهديدِ تركي على أعلى المستويات، وقصفتِ المدفعيةُ التركيّة السبت 13/1/2018 قرى دير بلوط وإيسكا وشاديرة وباصوفان وبرج سليمان وجلمة، وألحقت أضراراً ماديّة بهذه القرى.
استمر القصفُ على عفرين من منطقتي دارة عزة وقلعة سمعان، اللتين انتشر فيهما جيش الاحتلال التركي في إطار اتفاق أستانة مع روسيا وإيران، لأكثر من ساعتين، وفي هذا اليوم صعّد أردوغان نبرةَ التهديد والخيار بين الاستسلامِ أو التدمير.
الأحد 14/1/2018، أعلن التحالف الدوليّ بقيادة الولايات المتحدة، النية بإنشاءِ قوة “حرس حدود” قوامها 30 ألف فرد بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية. وفي رسالة بالبريد الإلكترونيّ لوكالة رويترز أكّد مكتب الشؤون العامة للتحالف أنّ قوةَ أمنِ الحدود ستكون تحت قيادة قوات سوريا الديمقراطية، وأنّ نحو 230 فرداً يتدربون ضمن طليعتها.
ميدانيّاً عاودت المدفعية التركيّة القصف، واستهدفت مواقع مختلفة في منطقة عفرين.
في 15/1/2018 قال الرئيس التركيّ أردوغان إنَّ استعداداتِ الجيش التركيّ لعمليةِ عفرين قد اكتملت، وإنَّ العملية قد تبدأ بأيّ لحظةٍ، متوعداً بالوقت نفسه القضاء على القوة العسكريّة التي تسعى الولايات المتحدة لتشكيلها على حدود بلاده.
وذكر أردوغان في خطابٍ بالعاصمة أنقرة، أنه “رغم كلّ تحذيراتنا ونيتنا الحسنة، فإنّ من نسمّيهم حلفاء لنا يريدون إنشاء “جيش إرهابيّ” على حدودنا، ولا هدفَ لهذا الجيش سوى تركيا”، في إشارةٍ إلى القوة الحدوديّة التي تحدث عنها عسكريون أمريكيون. وتوعد أردوغان بوأدِ ما سمّاه “الجيش الإرهابي” بالمهدِ، وطالب القواتِ الأمريكيّة ألا تقفَ في طريق الجيشِ التركيّ كيلا تقعَ أحداثٌ مؤسفةٌ.
في هذا اليوم نُقلت تعزيزات عسكريّة تركيّة إلى الحدود في ولاية غازي عينتاب وولاية أوروفا/ مرعش، وقصفت المدفعيّة ما سُمّي أهدافاً عسكريّة لوحدات حماية الشعب في قرية ترندة.
تلقفت موسكو موضوعَ تشكيلِ قوةِ حرسِ الحدودِ، وتماهت مع موقفِ أنقرة، وقال وزير الخارجيّة الروسيّ “إنّ تشكيلَ واشنطن تلك القوة يُعدُّ مسألةً خطيرةً قد تؤدي إلى تقسيمِ سوريا”. وقال رئيس لجنة الدفاع بمجلس الدوما فلاديمير شامانوف: إنّ هدفَ واشنطن من هذه القوة “زعزعةً الاستقرار في سوريا” وضمانُ مصالحها واستمرار وجودها في سوريا. وأكّد شامانوف في حديث لوكالة نوفوستي أنّ “ممارسات الولايات المتحدة التي تقودُ التحالفَ الدوليّ ضد “داعش” تتعارضُ مباشرةً مع المصالح الروسيّة في سوريا”.
انتقدت دمشق بشدّةٍ في 15/1/2018 تشكيل “القوة الأمنية الحدوديّة”، وعدّتها “اعتداءً صارخاً على سيادةِ ووحدةِ وسلامة الأراضي السوريّة، وانتهاكاً فاضحاً للقانون الدوليّ”، ودعتِ المجتمعَ الدوليّ إلى إدانةِ الخطوة الأمريكيّة. ونقلت وكالة سانا السوريّة عن مصدر بوزارة الخارجيّة السوريّة قوله إن “سوريا تعتبر كلَّ مواطنٍ سوريّ يشارك في هذه “الميليشيات” برعاية أمريكيّة خائناً للشعب والوطن وستتعامل معه على هذا الأساس”.
نددت طهران بالقوة الأمنيّة الحدودية، وقال الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني “إنّ تشكيل قوة جديدة مدعومة من الولايات المتحدة داخل سوريا يشكّلُ انتهاكاً للقانون الدوليّ والسيادة السوريّة”. وقال خلال استقباله رئيس مجلس الشعبِ السوري حمودة يوسف صباغ في 16/1/2018 إنَّ “الخطة الجديدة التي يفكر فيها الأمريكيون بالنسبة لسوريا انتهاكٌ للقوانين الدوليّة ومؤامرة ضد سيادة وأمن سوريا والمنطقة”.
بذلك بات واضحاً توافقُ مجملِ المواقف حول انتقادِ سياسة واشنطن وتجاهل التهديد التركيّ وقصفه اليوميّ لقرى عفرين.
وفي أخبار الميدان استأنفتِ المدفعيّةُ التركيّةُ في قلعة سمعان مساء الثلاثاء 16/1/2018، قصفَ قريتي إيسكا وشاديريه التابعتين لناحية شيراوا. وقصف جيش الاحتلال التركي المتمركز في إعزاز فيلات القاضي ومرعناز وقطمة في ناحية شرا.
مساء الأربعاء 17/1/2018 قصفتِ المدفعيّة التركيّة قرى في ناحيتي شيراوا وشرا، وسقطتِ القذائف على التلال المحيطة بمدينة عفرين، كما قصفتِ المدفعية التركيّة بشكلٍ متزامن “محيط قرى قره بابا، وكمرش وجسر حشركه وقرية هوبكا والتلال المحيطة بمركز منطقة راجو. فيما وصل رتلٌ عسكريّ تركيّ إلى قاعدة عسكريّة في ريحانلي قرب الحدودِ التركيّة السوريّة في ولاية هاتاي التركيّة.
كان القصفُ المدفعيّ طيلة أسبوعٍ تمهيداً للعدوان، بانتظارِ موافقةٍ روسيّةٍ نهائيّةٍ لبدءِ العمليةِ، والإشارة هي سحب الشرطة العسكريّة الروسيّة من قرية كفرجنة، فأوفدت أنقرة الخميس 18/1/2018 رئيس الأركان خلوصي آكار والاستخبارات هاكان فيدان إلى موسكو، للحصولِ على الضوء الأخضر لتنفيذِ ضرباتٍ جويّةٍ، والتقى أكار وفيدان وزير الدفاع ورئيس الأركان الروسيّ.
محاولة أمريكيّة لإزالة الإبهام
تصريحات أمريكيّة على مستوياتٍ متعددة حاولت توضيحَ غاية إنشاء قوات حرس الحدود، وأنّ غايتها حفظُ الأمنِ من التهديداتِ الإرهابيّةِ، وأنّها ليست كياناً عسكريّاً جديداً، وتضمنت تفهماً للهواجس الأمنيّة التركيّة الافتراضيّة، ونفى وزير الخارجية الأمريكيّ ريكس تيلرسون في 18/1/2018 أن تكون لدى واشنطن نية إنشاءِ قوةٍ تنتشر على الحدودِ بين سوريا وتركيا، قائلاً: “إنَّ المسألة التي أغضبت أنقرة لم تُطرح بالطريقةِ الملائمة”، ونفى فيها تشكيل مثل هذه القوة.
كما دعت وزارة الدفاع الأمريكيّة كلَّ الأطرافِ إلى التهدئةِ على الحدود التركيّة ــ السورية، مع أخذها بالاعتبارِ قلقَ أنقرة، ونفت أيَّ دعم لوحدات حماية الشعب الموجودة في عفرين، وقالت إنّها “لا صلة لها بها”. وهذا ما اعتبرته أنقرة موقفاً يشير إلى أنّ واشنطن لن تتدخلَ أو تعارضَ أيَّ عملية عسكريّةٍ تركيّة.
وصرّح أيضاً المتحدث باسم القوات الأمريكيّة في بغداد العقيد ريان ديلون، أنّه كان بإمكانِ الولايات المتحدة توضيح الخطة بشكلٍ أكبر؛ لتجنب تخويفِ حلفائها، وللتأكيدِ أنّ الخطوةَ هي بالبساطة المنطقية التالية، بعد القوات الأمنيّة المحليّة التي أنشأتها قوات سوريا الديمقراطية بعد تحريرها المناطق التي كان يسيطر عليها داعش، وأضاف العقيد ديلون: “لقد أنشأنا قوات أمنيّة داخليّة.. وهذه قواتٌ لحفظِ الحدودِ”.
وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكيّة هيذر نويرت في إيجاز صحفيّ مساء اليوم نفسه أنَّ بلادها لا تعرفُ ما إن كانت تركيا ستنفذ عملية عسكريّة في عفرين أم لا، لكنها تدعوها إلى عدم الإقدامِ على مثل هذه الخطوة، والتركيز بدلاً من ذلك على محاربةِ “داعش”.
بالتوازي مع التصريحاتِ التركيّة، قال فيصل المقداد، نائب وزير الخارجية السوريّ، إن أيّ هجومٍ على منطقةِ عفرين يعتبر “عملاً عدوانيّاً”. وجاء تصريح المقداد في بيان تلاه أمام الصحفيين نقلته وكالة الأنباء السوريّة، وحذّر فيه أنقرة أنّه في حال المبادرة إلى بدءِ أعمالٍ قتاليّةٍ في منطقة عفرين فإنَّ ذلك سيعتبر عملاً عدوانيّاً من قبل الجيشِ التركيّ على سيادةِ أراضي سوريا طبقاً للقانون الدوليّ المعروف لدى الجانب التركيّ. وقال المقداد إن “قوات الدفاع الجوية السوريّة استعادت قوتها الكاملة وهي جاهزة لتدميرِ الأهداف الجوية التركيّة في سماء سوريا، وهذا يعني أنّه في حال اعتداء الطيران التركيّ على سوريا فيجب عليه ألا يعتبرَ نفسه في نزهة”.
ميدانيّاً استؤنف القصفُ المدفعيّ التركيّ بكثافةٍ، ليل الخميس، واستمر حتى بعد ظهرِ الجمعة، وسقطت نحو 70 قذيفة في مواقع مختلفة من قرى قطمة وكفرجنة بناحية شرا وحج حسنة في ناحية جنديرس وقرية خليل بناحية شية. واستمر تعزيز القوات التركية على الحدود، ونُقل رتلُ دباباتٍ تركيٍّة محملة على متن الحاملات العسكريّة من بلدة يول جات إلى قره خان.
أنقرة تستند إلى التنسيقِ مع موسكو
كان واضحاً أنّ أنقرة تعوّلُ على تنسيقٍ عالي المستوى مع موسكو، يرتقي إلى التفويضِ، دون أنّ تتضح أبعاده، وأعلنت أنّها ماضية بتنفيذ العملية العسكريّة في عفرين، وأنّ موسكو انتقلت من ضفةِ محاربةِ الإرهابِ إلى استثماره.
ففي يوم الجمعة 19/1/2018 قال وزير الدفاع التركيّ نور الدين جانيكلي “العملية بدأت فعليّاً بقصفٍ عبر الحدودِ، لكن لم يتم عبور الحدود”. وأضاف: “عندما أقولُ فعليّاً لا أريدُ أن يكونَ هناك سوءُ فهمٍ، العملية بدأت دون عبور للحدودِ”. مضيفاً أنّ “أنقرة ستواصل المحادثاتِ مع روسيا بشأنِ العمليّةِ”. وفيما يتعلقُ بالوجودِ العسكريّ الروسيّ في عفرين، قال وزير الدفاع التركيّ إنّ المسؤولين الروس أعلنوا رسميّاً وعلى أعلى المستويات أنّهم سيسحبون قواتهم في عفرين.
وأشار الوزير التركيّ إلى أن ما يُسمّى “الجيش السوريّ الحر سيشارك بفعّاليّة في عملية عفرين لأنّ هذه الأرض هي أرضهم ومهمتنا دعمُ هذا الجيش” بحسبُ تعبيره، وشدد على أنَّ تركيا تعملُ على خلقِ ظروفٍ لا تستدعي مشاركةَ جنودها في الاشتباكات المباشرة. وقلّل الوزير التركيّ من تهديداتِ النظامِ السوريّ للردِّ على التحرّكِ العسكريّ التركيّ في عفرين، وقال “لا نعتقدُ أنّ تهديداتِ النظام السوريّ قد صدرت عنه بشكلٍ مستقل فقط، وهناك دول من وراء ذلك”.
وأفادت وكالة الأناضول بأنّ المراقبين العسكريين الروس بمنطقة عفرين انسحبوا في 19/1/2018 توقعاً لهجومٍ تركيّ. إلا أنّ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف نفى انسحاب المراقبين التابعين لبلاده من المنطقة. وبذلك كان موضوعُ وجود الشرطة العسكريّة الروسيّة محلَّ تضاربٍ بين النفيّ والتأكيدِ.
قال وزير الخارجية التركيّ مولود جاويش أوغلو إنَّ بلاده تجري مشاورات مع روسيا وإيران لتمكينها من استخدام المجال الجوي السوري، وقال إنّ زيارة رئيس الأركان التركيّ خلوصي أكار إلى موسكو تأتي في إطار مشاورات مع روسيا وإيران.
مراوغة روسيّة
التصريحاتُ الأمريكيّة دعت إلى التهدئة، مع إخلاء المسؤوليّة فلم تكن حازمة، وبالمقابلِ اتسمَّ موقفُ موسكو بالمراوغة السياسيّة، وحمل في طياته موافقةً غير مباشرةٍ للعدوان، إذ تمحورت حول انتقادِ السلوكِ الأمريكيّ وتحميله مسؤولية التصعيدِ العسكريّ، ونسف عملية تسوية سلميّة افتراضيّة، وتهربت من الحديثِ مباشرة حول الواقع الميدانيّ في عفرين، التي لا وجودَ عسكريّ أمريكيّ فيها، والمحاصرة منذ سنواتٍ إلا من معبر وحيدٍ يصلها بمدينة حلب.
قالت وزارة الدفاع الروسيّة السبت 20/1/2018 إنَّ “الاستفزازات الأمريكيّة” من العوامل الرئيسيّة التي أزّمتِ الوضعَ شمال غرب سوريا ودفعت تركيا لشنِّ عملية عسكريّة في عفرين ضد وحدات حماية الشعب. واعتبرت الوزارة الروسيّة أنَّ سعيَ أمريكا لعزل مناطق الكرد ودعمهم بالسلاح وراء حمل الجيش التركيّ على شنّ عملية عفرين العسكريّة. وقال الجيش الروسيّ إنّ تزويد أمريكا المقاتلين الكرد بالسلاح “تسبب في ردٍّ بالغِ السلبيّة من جانب أنقرة”. وأضاف أنّ “هذه الأفعال غير المسؤولة التي يقوم بها الجانب الأمريكيّ في سوريا تهدد بنسفِ عملية التسوية السلميّة” في هذا البلد.
بالمجمل جاء العدوانُ التركيّ على عفرين في سياقِ خطةِ تدخلِ موسكو في سوريا، وفوّضت أنقرة بتنفيذها في تطبيقٍ مباشرٍ لتجربة حرب الشيشان ومبدأ “ضرب الخصم بالخصم”، وحازتِ الخطةُ على توافقٍ دوليّ وإقليميّ، فجاءتِ المواقفُ الرسميّةُ المعارضةُ للحربِ باهتةً لمجردِ التسويق الإعلاميّ، ولم تكن جادةً لتمنعَ وقوعَها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.