سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

نوار وتماثيل العيون

رستم عبدو-

تل براك أو ما يعرف تاريخياً بـ نوار أو ناغار موقع أثري في القسم العلوي من مناطق حوض الخابور بالقرب من نهر جغجغ في شمال سوريا. يبعد الموقع عن مدينة الحسكة 40 كم شرقاً. يعتبر تل براك أحد أهم وأقدم المواقع الأثرية في شمال بلاد الرافدين (ميزوبوتاميا), وتأتي أهمية الموقع من وقوعه على الطريق التجاري القديم الذي يربط جنوب بلاد الرافدين بشماله.
يعود تاريخ الموقع إلى الألف السادس قبل الميلاد, إلا أن فترة ازدهاره كانت خلال الألفين الرابع والثالث قبل الميلاد. اكتسب الموقع صفة المدينة العالمية لاحتضانها الكثير من الحضارات القديمة على مر العصور كالسومريين والحوريين والأكاديين.
عثر على المئات من التماثيل والآلاف من الكسر الحجرية الرخامية التي تمثل أشخاصاً لم يعرض منهم إلا الكتفان والرقبة والعينان البارزتان، يعود تاريخها إلى النصف الأخير من الألف الرابع (3500-3000) قبل الميلاد في معبد سمي بمعبد العيون.
كانت مظاهر الرفاه والبذخ والإسراف واضحة في معالم ذلك المعبد، فالمذبح كان مزخرفاً بأشرطة من الفريز المصنوعة من الحجارة الملونة وأظافر من الفضة ورقائق من الذهب, وكانت الأرضيات والجدران مرصعة بقطع من الفسيفساء (الموزاييك) المصنوعة من العملة الطينية الملونة.
بدا المعبد من حيث خطة البناء والزخرفة مشابهاً تماماً لتلك التي عثرت عليها في مدن أور وأوروك وأريدو في جنوب بلاد الرافدين.
اكتشفت هذه التماثيل عام 1937م، على يد الباحث الأثري الإنكليزي ماكس مالوان Max Malowan الذي اصطلح على تسمية تلك اللوحات أو التماثيل المجسمة الصغيرة ذات العيون الواضحة بتماثيل العيون, لكن الاختلافات في مقاسات وحجم العيون (الدوائر) عند مقارنتها مع بعضها البعض، جعل العلماء يطلقون عليها في الوقت الحاضر اسم تماثيل ذات النظارات.
صنعت التماثيل من الحجارة – وعلى وجه الخصوص –  من الحجر الرخامي الألباستر alabaster ذات اللون الأبيض أو الأسود, وتراوحت أحجامها بين عرض/ 3سم وارتفاع 6سم/. ظهرت تلك التماثيل بأحجام بسيطة ومجردة تمثل أشخاصاً بأجسام مسطحة على شكل شبه منحرف وبعيون واسعة، وكذلك بأجسام على شكل أجراس أو نواقيس ذات رقبة متوجة بدائرتين اثنتين تمثل العيون. غطت أجسام تلك التماثيل بعض الخطوط المستقيمة او المائلة zigzag كتعبير عن نوع من اللباس كما جاء البعض من التماثيل وهو يحمل أطفالاً من الأمام.
كانت الغاية أو الغرض التي صنعت لأجلها تلك التماثيل كما يقول الباحث هي:
  • تقديمات نذرية يمثل أصحابها بشكل دائم في حضرة الرب.
  • عطايا وهدايا للآلهة في محاولة لكسب ودهم والتقرب منهم.
  • حراس لحماية المعبد ومواقد النيران.
  • أدوات (نول) لغزل النسيج قدمت للمعبد كنوع من النذور.
  • تمائم للحماية من سحر الإصابة بالعين.
  • تمائم وطقوس دينية لها دلالة للحماية من الشر والعدو.
  • تعاويذ لحماية المعبد والمدينة.
إلا أنه بغض النظر عن تلك الآراء, فإن وجود هذا الكم الهائل من التماثيل في مكان مقدس كمعبد العيون إنما يندرج ضمن مواضيع التقديمات النذرية سواء كانت تماثيل أو أدوات صنعت على هيئة التماثيل, كما أن تل براك قدم للعالم نموذجاً فنياً حضارياً فريداً من نوعه جعله ينفرد عن باقي الممالك القديمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.