No Result
View All Result
يرى علماءُ أن ما يكتسبه الطفل خلال السنوات الثلاث الأولى من عمره من أنماط السلوك ومن العادات يُرافقه حتى الستين، بمعنى أن ما يكتسبه الطفل خلال هذه الفترة من عمره يصعب تغييره لاحقاً، وتتمتع هذه الفترة العمرية بخصوصية هامة.
إن تأثير الأبوين على حياة الطفل في هذه الفترة خاصة يكون شديداً، فهو يبدأ بالحركة وأحياناً بالمشي، ويبدأ بالتقليد، فيمتص من والديه طباعهما وسلوكهما من خلال تعاملهما معه، فهما مرجعه الأساسي، لذا فعلى الوالدين أَن يُمثّلا دور القدوة الحسنة فيتصرفا بشكل مدروس وواعٍ.. وبهذا يهونان على طفلهما تقبل ما يحيط به وما يوجه له.
الطفل في العمر بين أربعة عشر واثنين وعشرين شهراً يبدأ بتكوين أنماط سلوكه، ويرى أن مجرد متابعة والديه له وتحدثهما معه يتمُّ بسبب محبتهما له، سواء أكان الحديث توجيهاً أو نهياً عن أمر ما، وفي هذه المرحلة يضع بين يدي والديه الاختبارات اللازمة لكل التصرفات التي يقوم بها وينتظر ردة فعلهما عليها.
فإذا تقبل أهله منه هذا التصرف استمر به ونما وتطور وترسخ، وإن رفضوه فسيحاول التمسك به وإثباته، وعلى الأهل أن يوضحا له سبب هذا الرفض – بما يتناسب وهذه الفترة العمرية – وعندما يقتنع الطفل بالواقع سيفهم أن الرفض تم بسبب ما يلحق به من ضرر لا بقصد حرمانه مما يرغب، ففي هذا العمر يَعتبر والديه مرجعاً ومصدراً موثوقاً، وبهذا تتيسر الأمور ويأخذون بيد طفلهم إلى مسارب النمو الاجتماعي السليم، ولتحقيق صورة مثالية لطفل سعيد يحسُّ باعتباره من خلال حوار أهله له ومحاولة إقناعه، وعندها سيتقبل توجيهاتهم وسيحترم آراءهم.
وإن هناك حالات من التعبير للأطفال الذين يلاقون التربية الصحيحة والنمو الجيد، وتكون قمة هذا التعبير قبل وصول الطفل إلى عمر السنتين، فإذا نما الطفل نمواً سليماً، ستحصل على طفل يفكر في الأوقات التي يحتاج فيها للتفكير، ليفاجئك بنظرية جديدة ويعبر لك عن أفكاره بشكل حسن عند حاجته للتعبير.
كما أن الطفل ابن السنتين الذي اعتاد أهله على الإفراط في تدليله، فلن يكون ميالاً للأصدقاء ولا للعب معهم، وبالتالي لن يُسرَّ الأَطفال باللعب معه ولا بصحبته لكثرة بكائه وحبه لذاته ولابتعاده عنهم.
وهذا سببه أخطاء بعض الآباء في تربية أطفالهم، فعواطفهم لا تسمح لهم أن يلفظوا كلمة “لا” لأطفالهم فيلبون كل مطالبهم، وحجتهم في ذلك أنهم أطفال صغار لا يفهمون ما يجب أن يفعلوه، لذلك نجدهم يتفادون إزعاجهم وإصرارهم على الحصول على ما يريدون فينفذون طلباتهم. والطفل يشعر داخلياً بالغبطة في نفسه، وحتى يرضي غروره وشعوره بالسلطة على أهله يستمر في سلوكه.
إظهار الحب لطفلك أمر في غاية الأهمية، شريطة أن لا يستأثر بعاطفتك وبوعيك، فليكن حبك متوازناً وغير متطرف، فإنك إن أكثرت في إظهاره كالإكثار من مديحك لطفلك أمام الآخرين، وإذا أعدت رواية تصرفاته بالأمس لأصدقائك وضيوفك على مسمع منه، يزداد حبه للظهور وإثبات السلطة، فهو محور الحديث. وسيرافق هذا إصرار على تنفيذ كل ما يرغب، وستتحول طلباته إلى أوامر غير قابلة للرفض ولا حتى للمناقشة. وطفل تُربيه على هذه النظم تكون قد أفسدت تربيته من حيث لا تدري.
ولأننا بصدد الحديث عن بناء شخصية الطفل وفي هذه المرحلة بالذات، فلا بد من الإشارة لبناء إحدى القدرات الاجتماعية المهمة، وهي القدرة القيادية التي تبدأ في الظهور اعتباراً من السنة الثالثة وتنضج في السادسة.
إن تعامل الطفل مع غيره ضروري؛ حيث إنه إذا استطاع الطفل أن يُعبِّر عن شعوره سلباً أَو إيجاباً لطفل آخر غيره، يكون قد بلغ درجة مناقشة الأُمور وأصبح له رأي فيها، وهذه بواكير تكوين شخصية مرنة متفاعلة تأخذ دور القيادة تارة ودور الانقياد والطاعة تارة أُخرى بدون أن يؤثر اختلاف الأدوار هذا على شعوره، كأن يتقرب لطفل آخر ليقول له إنه جميل أو مُجدٌّ وأنه يُحبه، بينما يقول لآخر اتركني وحدي فإني مشغول الآن بهذه اللعبة، وهنا نلاحظ أن الطفل أصبح يشارك غيره من الأطفال مشاركة سليمة هادئة ناعمة تُقرِّب النفوس كما نلاحظ بأن هذا خير تعبير عما يجول في خاطره بدون مساعدة والديه، وبهذا يضع قدميه على أول طريق بناء شخصية مستقلة عنهما.
وبعد هذه المصاحبة القصيرة في آفاق مرحلة دقيقة لا تقل حرجاً ودقة عن مرحلة المراهقة، بل هي المقدمة السليمة لهذه المرحلة. وهناك نقطتان مهمتان:
الأُولى: أن أبناء المرحلة العمرية المبكرة، من عمر الأربعة عشر إلى اثنين وعشرين شهراً، يتمتعون بافتتان أهلهم بحركاتهم البريئة ويدهشهم ما يلمسون من ملامح ذكائهم، وأحياناً أُخرى يتعبون أهلهم بالضغط عليهم والانتباه لهم، ويأمل الأهل أن ينمو طفلهم نشيطاً معافى ذكياً، وليستطيع الأهل تربية هكذا طفل بأسلوب صحيح لتنشئته تنشئة سوية – ويحسن اطلاعهم على بعض المصادر العلمية المساعدة – لا بُدَّ من مراقبة طفلهم ومراقبة تصرفاتهم معه ومدى تأثره بها ومدى استيعابه للأشياء وكيف يفكر وما يقصده ويرمي إليه، كلُّ هذا يساعدهما على الوصول إلى نتيجة مُرضية للتعامل على أساسها معه بحيث توفق بين ما يفكر به وبين ما يجب أن يكون بروح الودِّ والتفاهم.
والثانية: أنه لا بد من مد جسور التواصل بين الآباء والأبناء ابتداء من فترة ما بعد الولادة، تواصل مبنيٌّ على الحوار ومناقشة الأمور بروح الودّ والمحبة حتى تتولد القناعات التي تؤدي للغاية المرجوة.
فوجهة نظر الطفل أن والديه يمنعانه من عمل ما يرغب وما يريد من غير أن يفهم سبب المنع أَو الرفض، وعندما يشرح الأهل أسباب هذا الرفض سيشعر باعتباره ويمتثل للتوجيهات، وعندما يسلك سلوكاً حسناً فلنظهر له سرورنا ليعلم أننا لا نرفض دائماً ولا نوافق دائماً بل نسير حيث مصلحته.
No Result
View All Result